فصل: تفسير الآية رقم (59)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 57‏]‏

‏{‏إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ‏(‏55‏)‏ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ‏(‏56‏)‏ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

هذا من الكلام الذي يُلْقى من الملائكة، والجملة مستأنفة، وهذا مما يقال لمن حق عليهم العذاب إعلاماً لهم بنزول مرتبتهم عن مراتب أهل الجنة إعلاناً بالحقائق لأن ذلك عالم الحقائق وإدخالاً للندامة عليهم على ما فرطوا فيه من طلب الفوز في الآخرة‏.‏ وهذا يؤذن بأن أهل الجنة عجل بهم إلى النعيم قبل أن يبعث إلى النار أهلها، وأن أهل الجنة غير حاضرين ذلك المحضر‏.‏

وتعريف ‏{‏اليَوْمَ‏}‏ للعهد كما تقدم‏.‏ وفائدة ذكر الظرف وهو ‏{‏اليَوْمَ‏}‏ التنويه بذلك اليوم بأنه يوم الفضل على المؤمنين المتقين‏.‏

والشغل‏:‏ مصدر شغله، إذا ألهاه‏.‏ يقال‏:‏ شغله بكذا عن كذا فاشتغل به‏.‏ والظرفية مجازية؛ جعل تلبسهم بالشغل كأنهم مظروفون فيه، أي أحاط بهم شغل عن مشاهدة موقف أهل العذاب صرفهم الله عن منظر المزعجات لأن مشاهدتها لا تخلو من انقباض النفوس، ولكون هذا هو المقصود عدل عن ذكر ما يشغلهم إذ لا غرض في ذكره، فقوله‏:‏ ‏{‏في شُغُلٍ‏}‏ خبر ‏{‏إن‏}‏ و‏{‏فاكِهُونَ‏}‏ خبر ثان‏.‏

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ‏{‏شُغْلٍ‏}‏ بضم فسكون‏.‏ وقرأه الباقون بضمتين وهما لغتان فيه‏.‏

والفاكِه‏:‏ ذو الفُكاهة بضم الفاء، وهي المزاح بالكلام المُسِرّ والمضحك، وهي اسم مصدر‏:‏ فكِه بكسر الكاف، إذا مَزح وسُرّ‏.‏ وعن بعض أهل اللغة‏:‏ أنه لم يسمع له فعل من الثلاثي، وكأنه يعني قلة استعماله، وأما الأفعال غير الثلاثية من هذه المادة فقد جاء في المثل‏:‏ لا تُفاكه أَمَهْ ولا تَبُل على أكمه، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فظلتم تفكهون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 65‏]‏‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏فاكِهُونَ‏}‏ بصيغة اسم الفاعل‏.‏ وقرأه أبو جعفر بدون ألف بصيغة مثال المبالغة‏.‏

وجملة ‏{‏هُمْ وأزْواجُهُمْ في ظِلالٍ‏}‏ إلى آخرها واقعة موقع البيان لجملة ‏{‏إنَّ أصحابَ الجَنَّةِ‏}‏ الخ‏.‏ والمراد بأزواجهم‏:‏ الأزواج اللاتي أُعِدّت لهم في الجنة‏.‏ ومنهن من كُنَّ أزواجاً لهم في الدنيا إن كنّ غير ممنوعات من الجنة قال تعالى‏:‏ ‏{‏جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 23‏]‏‏.‏

والظلال قرأه الجمهور بوزن فِعال بكسر أوله على أنه جمع ظلّ، أي ظلّ الجنات‏.‏ وقرأه حمزة والكسائي وخلف ‏{‏ظُلَل‏}‏ بضم الظاء وفتح اللام جمع ‏(‏ظُلة‏)‏ وهي ما يظل كالقِباب‏.‏ وجمع الظلال على القراءتين لأجل مقابلته بالجمع وهم أصحاب الجنة، فكلّ منهم في ظل أو في ظلة‏.‏

و ‏{‏الأرائك‏}‏‏:‏ جمع أريكة، والأريكة‏:‏ اسم لمجموع السرير والحَجَلة، فإذا كان السرير في الحَجَلة سمي الجميع أريكة‏.‏ وهذا من الكلمات الدالة على شيء مركب من شيئين مثل المائدة اسم للخِوان الذي عليه طعام‏.‏

والاتكاء‏:‏ هيئة بين الاضطجاع والجلوس وهو اضطجاع على جنب دون وضع الرأس والكتف على الفراش‏.‏ وهو افتعال من وكأ المهموز، إذا اعتمد، أبدلت واوه تاء كما أبدلت في تُجاه وتُراث، وأخذ منه فعل اتكأ لأن المتّكئ يشد قعدته ويرسخها بضرب من الاضطجاع‏.‏

والاسم منه التُّكَأة بوزن هُمَزة، وهو جلوس المتطلب للراحة والإِطالة وهو جلسة أهل الرفاهية، وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأعتدت لهن متكأ‏}‏ في سورة يوسف ‏(‏31‏)‏‏.‏ وكان المترفهون من الأمم المتحضرة يأكلون متّكئين كان ذلك عادة سادة الفرس والروم ومن يتشبه بهم من العرب ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم «أمَّا أنا فلا آكل متكئاً» وذلك لأن الاتكاء يعين على امتداد المعدة فتقبل زيادة الطعام ولذلك كان الاتكاء في الطعام مكروهاً للإِفراط في الرفاهية‏.‏ وأما الاتكاء في غير حال الأكل فقد اتكأ النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه كما في حديث ضِمام بن ثعلبة وافِد بني سعد بن بكر‏:‏ أنه دخل المسجد فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له‏:‏ «هو ذلك الأزهر المتكئ»‏.‏

والفاكهة‏:‏ ما يؤكل للتلذذ لا للشبع كالثمار والنقول وإنما خصت بالذكر لأنها عزيزة النوال للناس في الدنيا ولأنها استجلبها ذكر الاتكاء لأن شأن المتكئين أن يشتغلوا بتناول الفواكه‏.‏

ثم عَمم ما أعد لهم بقوله‏:‏ ‏{‏ولهم ما يدَّعُونَ‏}‏ و‏{‏يَدَّعُونَ‏}‏ يجوز أن يكون متصرفاً من الدعاء أو من الادعاء، أي ما يَدْعون إليه أو ما يدَّعون في أنفسهم أنه لهم بإلهام إلهي‏.‏ وصيغ له وزن الافتعال للمبالغة، فوزن ‏{‏يَدَّعُونَ‏}‏ يفتعلون‏.‏ أصله يدتَعيُون نقلت حركة الياء إلى العين طلباً للتخفيف لأن الضم على الياء ثقيل بعد حذف حركة العين فبقيت الياء ساكنة وبعدها واو الجماعة لأنه مفيد معنَى الإِسنادِ إلى الجمع‏.‏

وهذا الافتعال لك أن تجعله من ‏(‏دعا‏)‏، والافتعال هنا يجعل فعل ‏(‏دعا‏)‏ قاصراً فينبغي تعليق مجرور به‏.‏ والتقدير‏:‏ ما يدعون لأنفسهم، كقول لبيد‏:‏

فاشتوى ليلة ريح واجتمل ***

اشتوى إذا شوى لنفسه واجتمل إذا جمل لنفسه، أي جمع الجميل وهو الشحم المذاب وهو الإِهالة‏.‏

وإن جعلته من الادعاء فمعناه‏:‏ أنهم يدعون ذلك حقاً لهم، أي تتحدث أنفسهم بذلك فيؤول إلى معنى‏:‏ ويتمنون في أنفسهم دون احتياج إلى أن يسألوا بالقول فلذلك قيل معنى ‏{‏يَدَّعُونَ‏}‏ يتمنون‏.‏ يقال‏:‏ ادع عليّ ما شئت، أي تمنّ عليّ، وفلان في خير ما ادّعى، أي في خير ما يتمنى، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون‏}‏ في سورة فصِّلت ‏(‏31‏)‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏

‏{‏سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ‏(‏58‏)‏‏}‏

استئناف قطع عن أن يعطف على ما قبله للاهتمام بمضمونه، وهو الدلالة على الكرامة والعناية بأهل الجنة من جانب القدس إذ يوجه إليهم سلام الله بكلام يعرفون أنه قول من الله‏:‏ إمّا بواسطة الملائكة، وإما بخلق أصوات يُوقنون بأنها مجعولة لأجل إسماعهم كما سمع موسى كلام الله حين ناداه من جانب الطور من الشجرة فبعد أن أخبر بما حباهم به من النعيم مشيراً إلى أصول أصنافه، أخبر بأن لهم ما هو أسمى وأعلى وهو التكريم بالتسليم عليهم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ورضوان من الله أكبر‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 72‏]‏‏.‏

و ‏{‏سَلامٌ‏}‏ مرفوع في جميع القراءات المشهورة‏.‏ وهو مبتدأ وتنكيره للتعظيم ورفعه للدلالة على الدوام والتحقق، فإن أصله النصب على المفعولية المطلقة نيابة عن الفعل مثل قوله‏:‏ ‏{‏فقالوا سلاماً‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 25‏]‏‏.‏ فلما أريدت الدلالة على الدوام جيء به مرفوعاً مثل قوله‏:‏ ‏{‏قال سلام‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 69‏]‏، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحَمدُ لله رَبّ العالمين‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 2‏]‏‏.‏

وحذف خبر ‏{‏سَلامٌ‏}‏ لنيابة المفعول المطلق وهو قوله ‏{‏قَوْلاً‏}‏ عن الخبر لأن تقديره‏:‏ سلام يقال لهم قولاً من الله، والذي اقتضى حذف الفعل ونيابة المصدر عنه هو استعداد المصدر لقبول التنوين الدال على التعظيم، والذي اقتضى أن يكون المصدر منصوباً دون أن يؤتى به مرفوعاً هو ما يشعر به النصب من كون المصدر جاء بدلاً عن الفعل‏.‏

و ‏{‏من‏}‏ ابتدائية‏.‏ وتنوين ‏{‏رَّبّ‏}‏ للتعظيم، ولأجل ذلك عدل عن إضافة ‏{‏رب‏}‏ إلى ضميرهم، واختير في التعبير عن الذات العلية بوصف الرب لشدة مناسبته للإِكرام والرضى عنهم بذكر أنهم عبدوه في الدنيا فاعترفوا بربوبيته‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏59‏]‏

‏{‏وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ‏(‏59‏)‏‏}‏

يجوز أن يكون عطفاً على جملة ‏{‏إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليوم في شُغُللٍ فاكِهُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 55‏]‏ ويجوز أن يعطف على ‏{‏سَلامٌ قَوْلاً‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 58‏]‏، أي ويقال‏:‏ امتازوا اليوم أيها المجرمون، على الضد مما يقال لأصحاب الجنة‏.‏ والتقدير‏:‏ سلام يقال لأهل الجنة قولاً، ويقال للمجرمين‏:‏ امتازوا، فتكون من توزيع الخطابين على مخاطَبيْن في مقام واحد كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 29‏]‏‏.‏

وامتاز مطاوع مَازه، إذا أفرده عما كان مختلطاً معه، وُجِّه الأمر إليهم بأن يمتازُوا مبالغة في الإِسراع بحصول الميز لأن هذا الأمر أمر تكوين فعبر عن معنى‏.‏ فيكونُ الميز بصوغ الأمر من مادة المطاوعة، فإن قولك‏:‏ لتنكَسِرْ الزجاجةُ أشد في الإِسراع بحصول الكسر فيها من أن تقول‏:‏ اكسروا الزجاجة‏.‏ والمراد‏:‏ امتيازهم بالابتعَاد عن الجنة، وذلك بأن يصيروا إلى النار فيؤول إلى معنى‏:‏ ادخلوا النار‏.‏ وهذا يقتضي أنهم كانوا في المحشر ينتظرون ماذا يفعل بهم كما أشرنا إليه عند قوله تعالى آنفاً‏:‏ ‏{‏إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 55‏]‏، فلما حُكي ما فيه أصحاب الجنة من النعيم حين يقال لأصحاب النار‏:‏ ‏{‏فاليوم لا تظلم نفس شيئاً‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 54‏]‏، حُكي ذلك ثم قيل للمشركين ‏{‏وامتازوا اليوم أيُّها المُجرمون‏}‏‏.‏

وتكرير كلمة ‏{‏اليَوْمَ‏}‏ ثلاث مرات في هذه الحكاية للتعريض بالمخاطبين فيه وهم الكفار الذين كانوا يجحدون وقوع ذلك اليوم مع تأكيد ذكره على أسماعهم بقوله‏:‏ ‏{‏فاليوم لا تُظلمُ نفسٌ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 54‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليومَ في شُغُل‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 55‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏امتازوا اليوم أيها المجرمون‏}‏‏.‏

ونداؤهم بعنوان‏:‏ ‏{‏المجرمون‏}‏ للإِيماء إلى علة ميزهم عن أهل الجنة بأنهم مجرمون، فاللام في ‏{‏المُجْرِمُونَ‏}‏ موصولة، أي أيها الذين أجرموا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏60- 62‏]‏

‏{‏أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏60‏)‏ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ‏(‏61‏)‏ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ‏(‏62‏)‏‏}‏

إقبال على جميع البشر الذين جَمَعهم المحشر غير أهل الجنة الذين عُجلوا إلى الجنة، فيشمل هذا جميع أهل الضلالة من مشركين وغيرهم، ولعله شامل لأهل الأعراف، وهو إشهاد على المشركين وتوبيخ لهم‏.‏

والاستفهام تقريري، وخوطبوا بعنوان ‏{‏بني آدم‏}‏ لأن مقام التوبيخ على عبادتهم الشيطان يقتضي تذكيرهم بأنهم أبناء الذي جعله الشيطان عدوّاً له، كقول النابغة‏:‏

لئن كان للقبرين قبرٍ بجلق *** وقبر بصيدا الذي عند حارب

وللحارث الجفني سيد قومه *** ليلتمس بالجيش دار المحارب

يعني بلاد من حارب أصوله‏.‏

والعهد‏:‏ الوصاية، ووصاية الله بني آدم بألا يعبدوا الشيطان هي ما تقرر واشتهر في الأمم بما جاء به الرسل في العصور الماضية فلا يسع إنكاره‏.‏ وبهذا الاعتبار صح الإِنكار عليهم في حالهم الشبيهة بحال من يجحد هذا العهد‏.‏

واعلم أن في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أعْهَدْ‏}‏ توالي العين والهاء وهما حرفان متقاربا المخرج من حروف الحلق إلاّ أن تواليهما لم يحدث ثقلاً في النطق بالكلمة ينافي الفصاحة بموجب تنافر الحروف لأن انتقال النطق في مخرج العين من وسط الحلق إلى مخرج الهاء من أقصى الحلق خفف النطق بهما، وكذلك الانتقال من سكون إلى حركة زاد ذلك خفة‏.‏ ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وسبحه‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 26‏]‏ المشتمل على حاء وهي من وسط الحلق وهاء وهي من أقصاه إلا أن الأولى ساكنة والثانية متحركة وهما متقاربا المخرج، ولا يعد هذا من تنافر الحروف، ومثل له بقول أبي تمام‏:‏

كريم متى أمْدَحْهُ أُمْدَحْهُ والورى *** معي وإذا ما لمته لمته وحدي

فإن كلمة ‏(‏أمْدَحْه‏)‏ لا تُعَدّ متنافرة الحروف على أن تكريرها أحدث عليها ثقلاً ما فلا يكون ذلك مثل قول امرئ القيس‏:‏

غدائرهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إلى العُلى ***

المجعول مثالاً للتنافر فإن تنافر حروفه انجرّ إليه من تعاقب ثلاثة حروف‏:‏ السين والشين والزاي، ولولا الفصل بين السين والشين بالتاء لكان أشد تنافراً‏.‏

وموجبات التنافر كثيرة ومرجعها إلى سرعة انتقال اللسان في مخارج حروف شديدة التقارب أو التباعد مع عوارض تعرض لها من صفات الحروف من‏:‏ جهر وهمس، أو شدة ورخو، أو استعلاء واستفال، أو انفتاح وانطباق، أو إصمات وانذلاق‏.‏ ومن حركاتها وسكناتها وليس لذلك ضابط مطرد ولكنه مما يُرجع فيه إلى ذوق الفصحاء‏.‏ وقد حاول ابن سِنان الخفاجي إرجاعه إلى تقارب مخارج الحروف فردّه ابن الأثير عليه بما لا مخلص منه‏.‏

وإذا اقتضى الحال من حقّ البلاغة إيثار كلمة بالذكر إذ لا يعدِلُها غيرها فعرض من تصاريفها عارض ثقل لا يكون حقُّ مقتضى الحال البلاغي موجباً إيرادها‏.‏

و ‏{‏أنْ‏}‏ تفسيرية، فسرت إجمال العهد لأن العهد فيه معنى القول دون حروفه ف ‏{‏أَنْ‏}‏ الواقعة بعده تفسيرية‏.‏

وعبادة الشيطان‏:‏ عبادة ما يأمر بعبادته من الأصنام ونحوها‏.‏

وجملة ‏{‏لكُم عدوٌّ مُبِينٌ‏}‏ تعليل لجملة ‏{‏لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ‏}‏ وقد أغنت ‏{‏أن‏}‏ عن فاء السببية كما تقدم غير مرة‏.‏

و ‏{‏مُبِينٌ‏}‏ اسم فاعل من أبان بمعنى بان للمبالغة، أي عداوته واضحة، ووجه وضوحها أن المرء إذا راقب عواقب الأعمال التي توسوسها له نفسه واتهمها وعرضها على وصايا الأنبياء والحكماء وجدها عواقب نحسة، فوضح له أنها من الشيطان بالوسوسة وأن الذي وسوس بها عدوّ له لأنه لو كان ودوداً لما أوقعه في الكوارث ولا يظن به الإِيقاع في ذلك عن غير بصيرة لأن تكرر أمثال تلك الوساوس للمرء ولأمثاله ممن يبوح له بأحواله يدل ذلك التكرر على أنها وساوس مقصودة للإِيقاع في المهالك فعلم أن المشير بها عدوّ ألد، ولعل هذا المعنى هو المشار إليه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أضلَّ مِنكم جِبلاً كثِيراً أفَلَم تكُونوا تَعْقِلون‏}‏‏.‏

وجملة ‏{‏وأننِ اعْبُدُوني‏}‏ عطف على ‏{‏أن لا تعْبُدُوا الشَّيْطانَ‏}‏ بإعادة ‏{‏أن‏}‏ التفسيرية فهما جملتان مفسرتان لعهدين‏.‏

وعدل عن الإِتيان بصيغة قصر لأن في الإِتيان بهاتين الجملتين زيادة فائدة لأن من أهل الضلالة الدهريين والمعطلين فهم وإن لم يعبدوا الشيطان ولكنهم لم يعبدوا الله فكانوا خاسئين بالعهد‏.‏

والإِشارة في قوله‏:‏ ‏{‏هذا صِراطٌ مستقيم‏}‏ للعهد المفهوم من فعل ‏{‏أعْهَد‏}‏ أو للمذكور في «تفسيره» من جملتي ‏{‏لا تعبدوا الشيطان‏}‏ ‏{‏وأننِ اعْبُدُوني‏}‏، أي هذا المذكور صراط مستقيم، أي كالطريق القويم في الإِبلاغ إلى المقصود‏.‏ والتنوين للتعظيم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أضَلَّ مِنكم جِبِلاً كثيراً‏}‏ عطف على ‏{‏إنَّهُ لكم عدوٌّ مبين‏}‏ فعداوته واضحة بدليل التجربة فكانت علة للنهي عن عبادة ما يأمرهم بعبادتهم‏.‏

والمعنى‏:‏ إن عداوته واضحة وضوح الصراط المستقيم لأنها تقررت بين الناس وشهدت بها العصور والأجيال فإنه لم يزل يُضلّ الناس إضلالاً تواتر أمره وتعذر إنكاره‏.‏

والجِبِلّ‏:‏ بكسر الجيم وكسر الموحدة وتشديد اللام كما قرأه نافع وعاصم وأبو جعفر‏.‏ وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بضم الجيم وضم الباء الموحدة وتخفيف اللام‏.‏ وقرأه ابن عامر وأبو بكر بضم الجيم وسكون الباء‏.‏

والجبلّ‏:‏ الجمع العظيم، وهو مشتق من الجَبْل بسكون الباء بمعنى الخلق‏.‏ وفرع عليه توبيخهم بقلة العقول بقوله‏:‏ ‏{‏أفَلَم تكونوا تَعْقِلونَ‏}‏، فالاستفهام إنكاري عن عدم كونهم يعقلون، أي يدركون، إذ لو كانوا يعقلون لتفطنوا إلى إيقاع الشيطان بهم في مهاوي الهلاك‏.‏ وزيادة فعل الكون للإِيماء إلى أن العقل لم يتكون فيهم ولا هم كائنون به‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏63- 64‏]‏

‏{‏هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ‏(‏63‏)‏ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ‏(‏64‏)‏‏}‏

إقبال على خطاب الذين عبدوا معبودات يسوّلها لهم الشيطان، إذ تبدو لهم جهنم بحيث يشار إليها ويعرفون أنها هي جهنّم التي كانوا في الدنيا يُنذرون بها وتُذكر لهم في الوعيد مدة الحياة‏.‏ والأمر بقوله‏:‏ ‏{‏اصلَوْهَا‏}‏ مستعمل في الإِهانة والتنكير‏.‏

و ‏{‏اصلوها‏}‏ أمر من صلي يصلى، إذا استدفأ بحرّ النار، وإطلاق الصلْي على الإِحراق تهكّم‏.‏

والتعريف في ‏{‏اليومَ‏}‏ تعريف العهد، أي هذا اليوم الحاضر وأريد به جواب ما كانوا يقولون في الحياة الدنيا من استبطاء الوعد والتكذيب إذ يقولون ‏{‏متى هذا الوعد إن كنتم صادقين‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 48‏]‏‏.‏

والباء في ‏{‏بِما كنتم تَكْفُرونَ‏}‏ سببية، أي بسبب كفركم في الدنيا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏65‏]‏

‏{‏الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏65‏)‏‏}‏

الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وقوله‏:‏ ‏{‏اليَوْمَ‏}‏ ظرف متعلق ب ‏{‏نَخْتِمُ‏}‏‏.‏

والقول في لفظ ‏{‏اليوم‏}‏ كالقول في نظائره الثلاثة المتقدمة، وهو تنويه بذكره بحصول هذا الحال العجيب فيه، وهو انتقال النطق من موضعه المعتاد إلى الأيدي والأرجل‏.‏

وضمائر الغيبة في ‏{‏أفواههم أيديهم أرجلهم يكسبون عائدة على الذين خوطبوا بقوله‏:‏ ‏{‏هذه جهنَّمُ التي كُنتم تُوعَدُون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 63‏]‏ على طريقة الالتفات‏.‏ وأصل النظم‏:‏ اليوم نختم على أفواهكم وتكلمنا أيديكم وتشهد أرجلكم بما كنتم تكسبون‏.‏ ومواجهتهم بهذا الإِعلام تأييس لهم بأنهم لا ينفعهم إنكار ما أُطلعوا عليه من صحائف أعمالهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 14‏]‏‏.‏

وقد طوي في هذه الآية ما ورد تفصيله في آي آخر فقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 2223‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 2829‏]‏‏.‏

وفي «صحيح مسلم» عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ يخاطب العبد ربّه يقول‏:‏ يا رب ألم تُجرني من الظلم‏؟‏ فيقول‏:‏ بلى، فيقول‏:‏ إني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول الله‏:‏ كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، فيُخْتم على فيه‏.‏ فيقال لأركانه‏:‏ انطقي، فتنطق بأعماله ثم يخلّى بينه وبين الكلام فيقول‏:‏ بعداً لكنَّ وسُحْقاً فعنكُنّ كنتُ أناضل ‏"‏ وإنما طُوِي ذكر الداعي إلى خطابهم بهذا الكلام لأنه لم يتعلق به غرض هنا فاقتصر على المقصود‏.‏

وقد يخيل تعارض بين هذه الآية وبين قوله‏:‏ ‏{‏يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 24‏]‏‏.‏ ولا تعارض لأن آية يس في أحوال المشركين وآية سورة النور في أحوال المنافقين‏.‏ والمراد بتكلم الأيدي تكلمها بالشهادة، والمراد بشهادة الأرجل نطقها بالشهادة، ففي كلتا الجملتين احتباك‏.‏ والتقدير‏:‏ وتكلمنا أيديهم فتشهد وتكلمنا أرجلهم فتشهد‏.‏

ويتعلق ‏{‏بِمَا كانُوا يَكْسِبون‏}‏ بكل من فعلي ‏{‏تكلمنا وتشهد‏}‏ على وجه التنازع‏.‏ وما يكسبونه‏:‏ هو الشرك وفروعه‏.‏ وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما ألحقوا به من الأذى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏66- 67‏]‏

‏{‏وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ‏(‏66‏)‏ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ ‏(‏67‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏ويقولون متى هذا الوعد‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 48‏]‏‏.‏ وموقع هاتين الآيَتَين من التي قبلهما أنه لما ذكر الله إلجاءهم إلى الاعتراف بالشرك بعد إنكاره يوم القيامة كان ذلك مثيراً لأن يهجس في نفوس المؤمنين أن يتمنوا لو سلك الله بهم في الدنيا مِثل هذا الإِلجاء فألجأهم إلى الإِقرار بوحدانيته وإلى تصديق رسوله واتباع دينه، فأفاد الله أنه لو تعلقت إرادته بذلك في الدنيا لفعل، إيماء إلى أن إرادته تعالى تجري تعلقاتها على وفق علمه تعالى وحكمته‏.‏ فهو قد جعل نظام الدنيا جارياً على حصول الأشياء عن أسبابها التي وكل الله إليها إنتاج مسبباتها وآثارها وتوالداتِها حتى إذا بَدَّل هذا العالم بعالم الحقيقة أجرى الأمور كلها على المهيع الحق الذي لا ينبغي غيره في مجاري العقل والحكمة‏.‏ والمعنى أنّا ألجأناهم إلى الإِقرار في الآخرة بأن ما كانوا عليه في الدنيا شرك وباطل ولو نشاء لأريناهم آياتنا في الدنيا ليرتدعوا ويرجعوا عن كفرهم وسوء إنكارهم‏.‏

ولما كانت ‏{‏لو‏}‏ تقتضي امتناعاً لامتناع فهي تقتضي معنى‏:‏ لكنّا لم نشأ ذلك فتركناهم على شأنهم استدراجاً وتمييزاً بين الخبيث والطيّب‏.‏ فهذا كلام موجه إلى المسلمين ومراد منه تبصرة المؤمنين وإرشادهم إلى الصبر على ما يلاقونه من المشركين حتى يأتي نصر الله‏.‏

فالطمس والمسخ المعلقان على الشرط الامتناعي طمس ومسخ في الدنيا لا في الآخرة‏.‏ والطمس‏:‏ مسخ شواهد العين بإزالة سوادها وبياضها أو اختلاطهما وهو العمى أو العَور، ويقال‏:‏ طريق مطموسة، إذا لم تكن فيها آثار السائرين ليقْفُوَهَا السائر‏.‏ وحرف الاستعلاء للدلالة على تمكن الطمس وإلا فإن طَمسَ يتعدى بنفسه‏.‏

والاستباق‏:‏ افتعال من السبق والافتعال دال على التكلف والاجتهاد في الفعل أي فبادروا‏.‏

و ‏{‏الصراط‏}‏‏:‏ الطريق الذي يُمشى فيه، وتعدية فعل الاستباق إليه على حذف ‏(‏إلى‏)‏ بطريقة الحذف والإِيصال، قال الشاعر وهو من شواهد الكتاب‏:‏

تَمرُّون الديار ولم تَعُوجُوا

أراد‏:‏ تمرون على الديار‏.‏

أو على تضمين «استبقوا» معنى ابتدروا، أي ابتدروا الصراط متسابقين، أي مسرعين لِما دهمهم رجاءَ أن يصلوا إلى بيوتهم قبل أن يهلكوا فلم يبصروا الطريق‏.‏ وتقدم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا ذهبنا نستبق‏}‏ في سورة يوسف‏}‏ ‏(‏17‏)‏‏.‏

و«أنَّى» استفهام بمعنى ‏(‏كيف‏)‏ وهو مستعمل في الإِنكار، أي لا يبصرون وقد طمست أعينهم، أي لو شئنا لعجلنا لهم عقوبة في الدنيا يرتدعون بها فيقلعوا عن إشراكهم‏.‏

والمسخ‏:‏ تصيير جسم الإِنسان في صورة جسم من غير نوعه، وقد تقدم القول فيه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقلنا لهما كونوا قِرَدة خاسئين‏}‏ في سورة البقرة‏}‏ ‏(‏65‏)‏‏.‏

وعن ابن عباس أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام وعليه فلا شيء من الأشياء الموجودة الآن ببقية مسخ‏.‏

والمكانة‏:‏ تأنيث المكان على تأويله بالبقعة كما قالوا‏:‏ مقام ومقامة، ودار ودارة، أي لو نشاء لمسخنا الكافرين في الدنيا في مكانهم الذي أظهروا فيه التكذيب بالرسل فما استطاعوا انصرافاً إلى ما خرجوا إليه ولا رجوعاً إلى ما أتوا منه بل لزموا مكانهم لزوال العقل الإِنساني منهم بسبب المسخ‏.‏

وكان مقتضى المقابلة أن يقال‏:‏ ولا رجوعاً، ولكن عدل إلى ‏{‏ولا يرجِعُونَ‏}‏ لرعاية الفاصلة فجعل قوله ‏{‏ولاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ عطفاً على جملة «ما استطاعوا» وليس عطفاً على ‏{‏مُضِيّاً‏}‏ لأن فعل استطاع لا ينصب الجمل‏.‏ والتقدير‏:‏ فما مضَوْا ولا رجعوا فجعلنا لهم العذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة وأرحنا منهم المؤمنين وتركناهم عبرة وموعظة لمن بعدهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏68‏]‏

‏{‏وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ‏(‏68‏)‏‏}‏

قد يلوح في بادئ الرأي أن موقع هذه الآية كالغريب عن السياق فيظن ظانّ أنها كلام مستأنف انتقل به من غرض الحديث عن المشركين وأحوالهم والإِملاء لهم إلى التذكير بأمر عجيب من صنع الله حتى يخال أن الذي اقتضى وقوع هذه الآية في هذا الموقع أنها نزلت في تِباع نزول الآيات قبلها لسبب اقتضى نزولها‏.‏

فجعل كثير من المفسرين موقعها موقع الاستدلال على أن قدرة الله تعالى لا يستصعب عليها طمس أعينهم ولا مسخهم كما غيّر خلقة المعمرين من قوة إلى ضعف، فيكون قياس تقريب من قبيل ما يسمى في أصول الفقه بالقياس الخَفيّ وبالأدْوَن، فيكون معطوفاً على علة مقدرة في الكلام كأنه قيل‏:‏ لو نشاء لطمسنا الخ لأنا قادرون على قلب الأحوال، ألا يرون كيف نقلب خلق الإِنسان فنجعله على غير ما خلقناه أولاً‏.‏ وبعد هذا كله فموقع واو العطف غير شديد الانتظام‏.‏ وجعلها بعض المفسرين واقعة موقع الاستدلال على المكان البعيد، أي أن الذي قدر على تغيير خلقهم من شباب إلى هرم قادر على أن يبعثهم بعد الموت فهو أيضاً قياس تقريب بالخفيّ وبالأدون‏.‏

ومنهم من تكلم عليها معرضاً عما قبلها فتكلموا على معناها وما فيها من العبرة ولم يبيّنوا وجه اتصالها بما قبلها‏.‏ ومنهم من جعلها لقطع معذرة المشركين في ذلك اليوم أن يقولوا‏:‏ ما لبثنا في الدنيا إلاّ عمراً قليلاً ولو عُمِّرنا طويلاً لما كان منا تقصير، وهو بعيد عن مقتضى قوله‏:‏ ‏{‏نَنْكُسْهُ في الخَلْقِ‏}‏‏.‏ وكل هذه التفاسير تحوم حول جعل الخلق بالمعنى المصدري، أي في خلقته أو في أثر خلقه‏.‏

وكل هذه التفسيرات بعيد عن نظم الكلام، فالذي يظهر أن الذي دفع المفسرين إلى ذلك هو ما ألِفه الناس من إطلاق التعمير على طول عمر المُعمّر، فلما تأولوه بهذا المعنى ألحقوا تأويل ‏{‏نَنْكُسْهُ في الخَلْقِ‏}‏ على ما يناسب ذلك‏.‏

والوجه عندي أن لكون جملة ‏{‏ومَن نُعَمِرهُ‏}‏ عطفاً على جملة ‏{‏ولو نشَاءُ لمَسخْناهُم على مكانتِهم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 67‏]‏ فهي جملة شرطية عطفت على جملة شرطية، فالمعطوف عليها جملة شرط امتناعي والمعطوفة جملة شرط تعليقي، والجملة الأولى أفادت إمهالهم والإِملاء لهم، والجملة المعطوفة أفادت إنذارهم بعاقبة غير محمودة ووعيدَهم بحلولها بهم، أي إن كنا لم نمسخهم ولم نطمس على عيونهم فقد أبقيناهم ليكونوا مغلوبين أذلة، فمعنى ‏{‏ومَن نُّعَمِرْهُ‏}‏ من نعمره منهم‏.‏

فالتعمير بمعنى الإبقاء، أي من نُبْقِيه منهم ولا نستأصله منهم، أي من المشركين فجعله بين الأمم دليلاً، فالتعمير المرادُ هنا كالتعمير الذي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 37‏]‏، بأن معناها‏:‏ ألم نبقكم مدة من الحياة تكفي المتأمل وهو المقدر بقوله‏:‏ ‏{‏ما يتذكر فيه من تذكر‏}‏‏.‏

وليس المراد من التعمير فيها طول الحياة وإدراك الهرم كالذي في قولهم‏:‏ فلان من المُعَمَّرين، فإن ذلك لم يقع بجميع أهل النار الذين خوطبوا بقوله‏:‏ ‏{‏أولم نعمركم‏.‏ وقد طويت في الكلام جملة تقديرها‏:‏ ولو نشاء لأهلكناهم، يدل عليها قوله‏:‏ ومن نعمره‏}‏ أي نبقه حياً‏.‏

والنكس‏:‏ حقيقته قلب الأعلى أسفل أو ما يقرب من الأسفل، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ناكسوا رؤوسهم‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 12‏]‏‏.‏ ويطلق مجازاً على الرجوع من حال حسنة إلى سيئة، ولذلك يقال‏:‏ فلان نكِس، إذا كان ضعيفاً لا يرجى لنجدة، وهو فَعِل بمعنى مفعول كأنه منكوس في خلائق الرجولة، ف ‏{‏ننكسْهُ‏}‏ مجاز لا محالة إلا أنا نجعله مجازاً في الإِذلال بعد العزة وسوء الحالة بعد زهرتها‏.‏

و ‏{‏الخلق‏}‏‏:‏ مصدر خلقه، ويطلق على المخلوق كثيراً وعلى الناس‏.‏ وفي حديث عائشة عن الكنيسة التي رأتها أم سلمة وأم حبيبة بالحبشة قال النبي صلى الله عليه وسلم «وأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» أي شرار الناس‏.‏

ووقوع حرف ‏{‏في‏}‏ هنا يعين أن الخلق هنا مراد به الناس، أي تجعله دليلاً في الناس وهو أليق بهذا المعنى دون معنى في خلقته لأن الإِنكاس لا يكون في أصل الخلقة وإنما يكون في أطوارها، وقد فسر بذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وزادكم في الخلق بسطة‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 69‏]‏ أي زادكم قوة وسعة في الأمم، أي في الأمم المعاصرة لكم، فهو وعيد لهم ووعد للمؤمنين بالنصر على المشركين ووقوعهم تحت نفوذ المسلمين، فإن أولئك الذين كانوا رؤوساً للمشركين في الجاهلية صاروا في أسر المسلمين يوم بدر وفي حكمهم يوم الفتح فكانوا يُدْعَون الطلقاء‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏نَنْكُسْه بفتح النون الأولى وسكون النون الثانية وضمّ الكاف مخففة وهو مضارع نكس المتعدّي، يقال‏:‏ نكس رأسه‏.‏ وقرأه عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح النون الثانية وكسر الكاف مشددة مضارع نكس المضاعف‏.‏

وفرّع على الجمل الشرطية الثلاث وما تفرع عليها قوله‏:‏ أفَلاَ يَعْقِلُونَ‏}‏ استئنافاً إنكارياً لعدم تأملهم في عظيم قدرة الله تعالى الدالة على أنه لو شاء لطمَس على أعينهم ولو شاء لمسخهم على مكانتهم، وأنه إن لم يفعل ذلك فإنهم لا يسلمون من نصره المسلمين عليهم لأنهم لو قاسوا مقدورات الله تعالى المشاهدة لهم لعلموا أن قدرته على مسخهم فما دونه من إنزال مكروه بهم أيسر من قدرته على إيجاد المخلوقات العظيمة المتقنة وأنه لا حائل بين تعلق قدرته بمسخهم إلا عدم إرادته ذلك لحكمة علمها فإن القدرة إنما تتعلق بالمقدورات على وفق الإرادة‏.‏

وقرأ نافع وابن ذكوان عن أبي عامر وأبو جعفر ‏{‏أَفَلا تَعْقلُونَ‏}‏ بتاء الخطاب وهو خطاب للذين وجه إليهم قوله‏:‏ ‏{‏ولو نشاء لطمسنا على أعينهم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 66‏]‏ الآية‏.‏ وقرأ الباقون بياء الغيبة لأن تلك الجمل الشرطية لا تخلو من مواجهة بالتعريض للمتحدث عنهم فكانوا أحرياء أن يعقلوا مغزاها ويتفهموا معناها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏69- 70‏]‏

‏{‏وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ ‏(‏69‏)‏ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ‏(‏70‏)‏‏}‏

هذه الآية ترجع إلى ما تضمنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 46‏]‏ فقد بيّنا أن المراد بالآيات آيات القرآن، فإعراضهم عن القرآن له أحوالٌ شتى‏:‏ بعضها بعدم الامتثال لما يأمرهم به من الخير مع الاستهزاء بالمسلمين وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 47‏]‏ الآية، وبعضها بالتكذيب لما يُنذِرهم به من الجزاء، وهو قوله‏:‏ ‏{‏ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 48‏]‏‏.‏ ومن إعراضهم عنه طعنُهم في آيات القرآن بأقوال شتّى منها قولهم‏:‏ هو قول شاعر، فلما تصدّى القرآن لإِبطال تكذيبهم بوعيد بالجزاء يوم الحشر بما تعاقب من الكلام على ذلك عاد هنا إلى طعنهم في ألفاظ القرآن من قولهم‏:‏ ‏{‏بل افتراه بل هو شاعر‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 5‏]‏، فقولهم ‏{‏بل هو شاعر يقتضي لا محالة أنهم يقولون‏:‏ القرآن شعر‏.‏

فالجملة معطوفة على جملة ‏{‏ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 38‏]‏، عطف القصة على القصة والغرضضِ على الغرضضِ‏.‏ ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً ابتدائياً ويكون الواو للاستئناف، ولذلك اقتصر هنا على تنزيه القرآن عن أن يكون شعراً والنبي صلى الله عليه وسلم عن أن يكون شاعراً دون التعرض لتنزيهه عن أن يكون ساحراً، أو أن يكون مجنوناً لأن الغَرض الرد على إعراضهم عن القرآن، ألا ترى أنه لما قصد إبطال مقالات لهم في القرآن قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 41، 42‏]‏‏.‏

وضمير ‏{‏عَلَّمْناهُ‏}‏ عائد إلى معلوم من مقام الردّ وليس عائداً إلى مذكور إذ لم يتقدم له معاد‏.‏

وبني الرد عليهم على طريقة الكناية بنفي تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الشعر لما في ذلك من إفادة أن القرآن معلَّم للنبيء صلى الله عليه وسلم من قِبَل الله تعالى وأنه ليس بشعر وأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر‏.‏ وانتصب ‏{‏الشّعْرَ‏}‏ على أن مفعول ثاننٍ لفعل ‏{‏عَلَّمْناهُ‏}‏، وهذا الفعل من أفعال العلم، ومُجرَّدُه يتعدّى إلى مفعول واحد غالباً نحو عَلِم المسألةَ‏.‏ ويتعدّى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فإذا دخله التضعيف صار متعدياً إلى مفعولين فقط اعتداداً بأن مجرده متعدّ إلى واحد كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ علمتك الكتاب والحكمة‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 110‏]‏ في سورة العقود، وقوله‏:‏ ‏{‏وما علَّمناهُ الشعر‏}‏ في هذه السورة يس وهذه تفرقة في الاستعمال موكولة إلى اختيار أهل اللسان نبّه عليه الرضيّ في «شرح الكافية» في باب تعدية أفعال القلوب إلى مفعولين بأن أصله متعدّ إلى واحد‏.‏ فتقدير المعنى‏:‏ نحن علمناه القرآن وما علمناه الشعر، فالقرآن موحىً إليه بتعليم من الله والذي أوحى به إليه ليس بشعر، وإذن فالمعنى‏:‏ أن القرآن ليس من الشعر في شيء، فكانت هاته الجملة ردّاً على قولهم‏:‏ هو شاعر على طريقة الكناية لأنها انتقال من اللازم إلى الملزوم‏.‏

ودل على أن هذا هو المقصود من قوله‏:‏ ‏{‏وما علمناهُ الشعر‏}‏ قوله عقبه ‏{‏إن هُوَ إلاَّ ذِكرٌ وقُرءانٌ مبين‏}‏، أي ليس الذي علمناه إياه إلا ذكراً وقرآناً وما هو بشعر‏.‏ والتعليم هنا بمعنى الوحي، أي وما أوحينا إليه الشعر فقد أطلق التعليم على الوحي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 4، 5‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وعلمك ما لم تكن تعلم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 113‏]‏‏.‏

وكيف يكون القرآن شعراً والشعر كلام موزون مقفّى له معان مناسبة لأغراضه التي أكثرها هزل وفكاهة، فأين الوزن في القرآن، وأين التقفية، وأين المعاني التي ينتجها الشعراء، وأين نظم كلامهم من نظمه، وأساليبهم من أساليبه‏.‏ ومن العجيب في الوقاحة أن يصدر عن أهل اللسان والبلاغة قول مثل هذا ولا شبهة لهم فيه بحال، فما قولهم ذلك إلا بهتان‏.‏

وما بني عليه أسلوب القرآن من تساوي الفواصل لا يجعلها موازية للقوافي كما يعلمه أهل الصناعة منهم وكل من زاول مبادئ القافية من المولدين، ولا أحسبهم دَعوهُ شعراً إلا تعجلاً في الإِبطال، أو تمويهاً على الإِغفال، فأشاعوا في العرب أن محمداً صلى الله عليه وسلم شاعر، وأن كلامه شعر‏.‏ وينبَني عن هذا الظن خبر أنيس بن جُنَادة الغفاري أخي أبي ذرّ، فقد روى البخاري عن ابن عباس، ومسلم عن عبد الله بن الصامت، يزيد أحدهما على الآخر قالا‏:‏ «قال أبو ذر لأخيه‏:‏ اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء واستمع من قوله ثم ائتني، فانطلقَ الأخ حتى قدم وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له‏:‏ رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاماً ما هو بالشعر‏.‏ قال أبو ذر‏:‏ فما يقول الناس‏؟‏ قال‏:‏ يقولون شاعر كاهن، ساحر‏.‏ وكان أُنيس أحد الشعراء، قال أنيس‏:‏ لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون» ثم اقتص الخبر عن إسلام أبي ذر، ويظهر أن ذلك كان في أول البعثة‏.‏

ومثله خبر الوليد بن المغيرة الذي رواه البيهقي وابن إسحاق «أنه جمع قريشاً عند حضور الموسم ليتشاوروا في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم‏:‏ إن وفود العَرب ترد عليكم فأجمعوا فيه رأياً لا يُكذب بعضكم بعضاً، فقالوا‏:‏ نقول كاهن‏؟‏ فقال‏:‏ والله ما هو بكاهن، ما هو بزمزمته ولا بسجعه، قالوا‏:‏ نقول مجنون‏؟‏ فقال‏:‏ والله ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا وسوسته، فذكر ترددهم في وصفه إلى أن قالوا‏:‏ نقول شاعر‏؟‏ قال‏:‏ ما هو بشاعر، قد عرفت الشعر كله رجزَه وهزجَه وقريضه ومبسوطَه ومقبوضه وما هو بشاعر‏.‏ إلى آخر القصة

فمعنى ‏(‏وما علمناه الشعر‏)‏‏:‏ وما أوحينا إليه شعرا علمناه إياه

وليس المراد أن الله لم يجعل في طبع النبي القدرة على نظم الشعر لأن تلك المقدرة لا تسمى تعليما حتى تنفى وإنما يستفاد هذا المعنى من قوله بعده ‏(‏وما ينبغي له‏)‏ وسنتكلم عليه قريبا

وقد اقتضت الآية نفي أن يكون القرآن شعرا وهذا الاقتضاء قد أثار مطاعن للملحدين ومشاكل للمخلصين وإذ وجدت فقرات قرآنية استكملت ميزان بحور من البحور الشعرية بعضها يلتئم منه بيت كامل وبعضها يتقوم منه مصراع واحد ولا تجد أكثر من ذلك فهذا يلزم منه وقوع الشعر‏.‏ في آي القرآن

صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام وقد أثار الملاحدة هذا المطعن فلذلك تعرض أبو بكر الباقلاني إلى دحضه في كتابه إعجاز القرآن وتبعه السكاكي وأبو بكر بن العربي فأما الباقلاني فانفرد برد قال فيه‏:‏ إن البيت المفرد لا يسمى شعرا بله المصراع الذي لا يكمل به بيت‏.‏ وأرى هذا غير كاف هنا لأنه لا يستطاع نفي مسمى الشعر عن المصراع وأولى عن وقال السكاكي في آخر مبحث رد المطاعن عن القرآن من كتاب مفتاح العلوم «إنهم يقولون أنتم في دعواكم أن القرآن كلام الله وقد علمه محمدا صلى الله عليه وسلم على أحد أمرين‏:‏ إما أن الله تعالى جاهل لا يعلم ما الشعر وإما أن الدعوى باطلة وذلك أن في قرآنكم ‏(‏وما علمناه الشعر‏)‏ وأنه يستدعي أن لا يكون فيما علمه شعر»

ثم إن في القرآن من جميع البحور شعرا‏:‏ فمن الطويل من صحيحه ‏(‏فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر‏)‏

ومن مخرومه ‏(‏منها خلقناكم وفيها نعيدكم‏)‏

ومن بحر المديد ‏(‏واصنع الفلك بأعيننا‏)‏

ومن بحر الوافر ‏(‏ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين‏)‏

ومن بحر الكامل‏:‏ ‏(‏والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏)‏

ومن بحر الهجز من مخرومه‏:‏ ‏(‏تالله لقد آثرك الله علينا‏)‏

ومن بحر الرجز ‏(‏دانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا‏)‏

ومن بحر الرمل ‏(‏وجفان كالجواري وقدرو راسيات‏)‏ ونظيره ‏(‏ورفعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك‏)‏

ومن بحر المنسرح ‏(‏إنا خلقنا الإنسان من نطفة‏)‏

ومن بحر الخفيف ‏(‏أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم‏)‏ ومنه ‏(‏لا يكادون يفقهون حديثا‏)‏ ونحوه ‏(‏قال يا قوم هؤلاء بناتي‏)‏

ومن بحر المضارع من مخرومه ‏(‏يوم التناد يوم تولون مدبرين‏)‏

ومن بحر المقتضب ‏(‏في قلوبهم مرض‏)‏

ومن بحر المتقارب ‏(‏وأملي لهم إن كيدي متين‏)‏

فيقال لهم من قبل النظر فيها أوردوه‏:‏ هل حرفوا بزيادة أو نقصان حركة أو حرفا أم لا‏.‏ وقبل أن ننظر هل راعوا أحكام علم العروض في الأعاريض والضروب التي سبق ذكرها أم لا‏.‏

ومن قَبل أن ننظر هل عملوا بالمنصور من المذهبين في معنى الشعر على نحو ما سبق أم لا ‏(‏يعني المذهبين مذهب الذين قالوا لا يكون الشعر شعراً إلا إذا قصد قائله أن يكون موزوناً، ومذهب الذين قالوا‏:‏ إن تعمُّد الوزن ليس بواجب بل يكفي أن يلفى موزوناً ولو بدون قصد قائله للوزن وقد نصر المذهب الأول‏)‏ يا سبحان الله قدروا جميع ذلك أشعاراً، أليس يصح بحكم التغليب أن لا يلتفت إلى ما أوردتموه لقلته، ويُجرى ذلك القرآن مُجرى الخالي عن الشعر فيقال بناء على مقتضى البلاغة‏:‏ ‏{‏وما علمناه الشعر‏}‏ ا ه‏.‏ كلامه، وقد نحا به نحو أمرين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن ما وقع في القرآن من الكلام المتّزن ليس بمقصود منه الوزن، فلا يكون شعراً على رأي الأكثر من اشتراط القصد إلى الوزن لأن الله تعالى لم يعبأ باتزانه‏.‏

الثاني‏:‏ إن سلمنا عدم اشتراط القصد فإن نفي كون القرآن شعراً جرى على الغالب‏.‏ فلا يعدّ قائله كاذباً ولا جاهلاً فلا ينافي اليقين بأن القرآن من عند الله علمه محمداً صلى الله عليه وسلم

ومَال ابن العربي في «أحكام القرآن» إلى أن ما تكلفوه من استخراج فقرات من القرآن على موازين شعرية لا يستقيم إلا بأحد أمور مثل بتر الكلام أو زيادة ساكن أو نقص حرف أو حرفين، وذكر أمثلة لذلك في بعضها ما لا يتم له فراجعْهُ‏.‏

ولا محيص من الاعتراف باشتمال القرآن على فقرات متزنة يلتئم منها بيت أو مصراع، فأما ما يقلّ عن بيت فهو كالعدم إذ لا يكون الشعر أقل من بيت، ولا فائدة في الاستكثار من جلب ما يلفى متزناً فإن وقوع ما يساوي بيتاً تاماً من بحر من بحور الشعر العربي ولو نادراً أو مُزَحَّفاً أو مُعَلاّ كاف في بقاء الإِشكال، فلا حاجة إلى ما سلك ابن العربي في رده ولا كفاية لما سلكه السكاكي في كتابه، لأن المردود عليهم في سعة من الأخذ بما يلائم نحلتهم من أضعف المذاهب في حقيقة الشعر وفي زحافِه وعلله‏.‏ وبعد ذلك فإن الباقلاني والسكاكي لم يغوصَا على اقتلاع ما يثيره الجواب الثاني في كلامِهما بعدم القصد إلى الوزن، من لزوم خفاء ذلك على علم الله تعالى فلماذا لا تُجعل في موضع تلك الفقرات المتزنة فقرات سليمة من الاتّزان‏.‏

ولم أر لأحد من المفسرين والخائضين في وجوه إعجاز القرآن التصدي لاقتلاع هذه الشبهة، وقد مضت عليها من الزمان برهة، وكنت غير مقتنع بتلك الردود ولا أرضاها، وأراها غير بالغة من غاية خيل الحلبة منتهاها‏.‏

فالذي بدا لي أن نقول‏:‏ إن القرآن نزل بأفصح لغات البشر التي تواضعوا واصطلحوا عليها ولو أن كلاماً كان أفصح من كلام العرب أو أمة كانت أسلم طباعاً من الأمة العربية لاختارها الله لظهور أفضل الشرائع وأشرف الرسل وأعز الكتب الشرعية‏.‏

ومعلوم أن القرآن جاء معجزاً لبلغاء العرب فكانت تراكيبه ومعانيها بالغَيْن حدًّا يقصر عنه كل بليغ من بلغائهم على مبلغ ما تتسع له اللغة العربية فصاحةً وبلاغة فإذا كانت نهاية مقتضى الحال في مقام من مقامات الكلام تتطلب لإيفاء حقّ الفصاحة والبلاغة ألفاظاً وتركيباً ونظماً فاتفق أن كان لمجموع حركاتها وسكوناتها ما كان جارياً على ميزان الشعر العربي في أعاريضه وضروبه لم يكن ذَلك الكلام معدوداً من الشعر لوْ وقَعَ مثلُه في كلاممٍ عن غير قصد فوقوعه في كلام البشر قد لا يتفطن إليه قائله ولو تفطن له لم يعسر تغييره لأنه ليس غاية ما يقتضيه الحال، اللهم إلاّ أن يكون قصد به تفنناً في الإِتيان بكلام ظاهره نثر وتفكيكه نظم‏.‏

فأما وقوعه في كلام الله تعالى فخارج عن ذلك كله من ثلاثة وجوه‏:‏

أحدها‏:‏ أن الله لا يخفى عليه وقوعه في كلام أوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم

الثاني‏:‏ أنه لا يجوز تبديل ذلك المجموع من الألفاظ بغيره لأن مجموعها هو جميع ما اقتضاه الحال وبلغ حد الإِعجاز‏.‏

الثالث‏:‏ أن الله لا يريد أن يشتمل الكلام الموحَى به من عنده على محسِّن الجمع بين النثر والنظم لأنه أراد تنزيه كلامه عن شائبة الشعر‏.‏

واعلم أن الحكمة في أن لا يكون القرآن من الشعر مع أن المتحدَّيْن به بلغاء العرب وجلُّهم شعراء وبلاغتهم مُودَعة في أشعارهم هي الجمع بين الإِعجاز وبين سدّ باب الشبهة التي تعرض لهم لو جاء القرآن على موازين الشعر، وهي شبهة الغلط أو المغالطة بعدِّهم النبي صلى الله عليه وسلم في زمرة الشعراء فيحسب جمهور الناس الذين لا تغوص مدركاتهم على الحقائق أن ما جاء به الرسول ليس بالعجيب، وأن هذا الجائي به ليس بنبيء ولكنه شاعر، فكان القرآن معجزاً لبلغاء العرب بكونه من نوع كلامهم لا يستطيعون جحوداً لذلك، ولكنه ليس من الصنف المسمّى بالشعر بل هو فائق على شعرهم في محاسنه البلاغية وَليس هو في أسلوب الشعر بالأوزان التي ألفوها بل هو في أسلوب الكتب السماوية والذكر‏.‏

ولقد ظهرت حكمة علاّم الغيوب في ذلك فإن المشركين لمّا سمعوا القرآن ابتدروا إلى الطعن في كونه منزّلاً من عند الله بقولهم في الرسول‏:‏ هو شاعر، أي أن كلامه شعر حتى أفاقهم من غفلتهم عقلاؤهم مثل الوليد بن المغيرة، وأُنيس بن جُنادة الغفاري، وحتى قرعهم القرآن بهذه الآية‏:‏ ‏{‏وما علمْناهُ الشعر وما ينبغي له إن هُوَ إلاَّ ذِكرٌ وقُرءَانٌ مبينٌ‏.‏

وبعد هذا فإن إقامة الشعر لا يَخلو الشاعر فيها من أن يتصرف في ترتيب الكلام تارات بما لا تقضيه الفصاحة مثل ما وقع لبعض الشعراء من التعقيد اللفظي، ومثل تقديم وتأخير على خلاف مقتضى الحال فيعتذر لوقوعه بعذر الضرورة الشعرية، فإذا جاء القرآن شعراً قصَّر في بعض المواضع عن إيفاء جميع مقتضى الحال حقّه‏.‏

وسنذكر عند تفسير قوله تعالى‏:‏ وما ينبغي له‏}‏ وجوهاً ينطبق معظمها على ما أشار إليه قوله تعالى هنا‏:‏ ‏{‏وما علمناهُ الشِّعر‏}‏‏.‏ وقد قال ابن عطية‏:‏ إن الضمير المجرور باللام في قوله‏:‏ ‏{‏وما ينبغي له‏}‏ يجوز أن يعود على القرآن كما سيأتي‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وما ينبغي له‏}‏ جملة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين قصد منها اتباع نفي أن يكون القرآن الموحَى به للنبيء صلى الله عليه وسلم شعراً بنفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شاعراً فيما يقوله من غير ما أوحى به إليه أي فطر الله النبي صلى الله عليه وسلم على النفرة بين ملكته الكلامية والملكة الشاعرية، أي لم يجعل له ملكة أصحاب قرض الشعر لأنه أراد أن يقطع من نفوس المكذّبين دابر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شاعراً وأن يكون قرآنه شعراً ليتضح بهتانهم عند من له أدنى مسكة من تمييز للكلام وكثير ما هم بين العرب رجالهم وكثير من نسائهم غير زوج عبد الله بن رواحة ونظيراتها، والواو اعتراضية‏.‏

وضمير ‏{‏ينبغي‏}‏ عائد إلى الشعر، وضمير ‏{‏لَهُ‏}‏ يجوز أن يكون عائداً إلى ما عاد إليه ضمير الغائب في قوله‏:‏ ‏{‏علمناه‏}‏ وهو الظاهر‏.‏ وجوّز ابن عطية أن يعود إلى القرآن الذي يتضمنه فعل ‏{‏عَلَّمْناهُ‏}‏ فجعل جملة ‏{‏وما ينبغي له‏}‏ بمنزلة التعليل لِجملة ‏{‏وما علمْناهُ الشِّعر‏}‏‏.‏

ومعنى ‏{‏وما ينبغي له‏}‏ ما يتأتّى له الشعر، وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولداً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 92‏]‏ تفصيل ذلك في سورة مريم، وتقدم قريباً عند قوله‏:‏ ‏{‏لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 40‏]‏‏.‏ فأصل معنى ‏{‏ينبغي‏}‏ يستجيب للبغي، أي الطلب، وهو يُشعر بالطلب الملحّ‏.‏ ثم غلب في معنى يتأتّى ويستقيم فتنوسي منه معنى المطاوعة وصار ‏{‏ينبغي‏}‏ بمعنى يتأتّى يقال‏:‏ لا ينبغي كذا، أي لا يتأتى‏.‏ قال الطيبي‏:‏ روي عن الزمخشري أنه قال في «كتاب سيبويه» «كل فعل فيه علاج يأتي مطاوعه على الانفعال‏:‏ كضرب وطلب وعَلِم، وما ليس فيه علاج‏:‏ كعَدِم وفقَد لا يأتي في مطاوعه الانفعال البتة» ا ه‏.‏

ومعنى كون الشعر لا ينبغي له‏:‏ أن قول الشعر لا ينبغي له لأن الشعر صنف من القول له موازين وقواففٍ، فالنبي صلى الله عليه وسلم منزّه عن قرض الشعر وتأليفه، أي ليست مِن طباع ملكته إقامة الموازين الشعرية، وليس المراد أنه لا ينشد الشعر لأن إنشاد الشعر غير تعلّمه، وكم من راوية للأشعار ومن نَقَّادٍ للشعر لا يستطيع قول الشعر وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتقد الشعر، ونبه على بعض مزايا فيه، وفضّل بعض الشعراء على بعض وهو مع ذلك لا يقرض شعراً‏.‏

وربما أنشد البيت فغفل عن ترتيب كلماته فربما اختلّ وزنه في إنشاده وذلك من تمام المنافرة بين ملكة بلاغته وملكة الشعراء، ألا ترى أنه لم يكن مطّرداً فربما أنشد البيت موزوناً‏.‏

هذا من جانب نظم الشعر وموازينه، وكذلك أيضاً جانب قوام الشعر ومعانيه فإن للشعر طرائق من الأغراض كالغزل والنسيب والهجاء والمديح والمُلَح، وطرائق من المعاني كالمبالغة البالغة حدّ الإِغراق وكادّعاء الشاعر أحوالاً لنفسه في غرام أو سير أو شجاعة هو خِلوٌ من حقائقها فهو كذب مغتفر في صناعة الشعر‏.‏ وذلك لا يليق بأرفع مقام لكمالات النفس، وهو مقام أعظم الرسل صلوات الله عليه وعليهم فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم قرض الشعر ولم يأت في شعره بأفانين الشعراء لعدّ غضاضة في شعره وكانت تلك الغضاضة داعية للتناول من حُرمة كماله في أنفس قومه يستوي فيها العدوّ والصديق‏.‏ على أن الشعراء في ذلك الزمان كانت أحوالهم غير مرضية عند أهل المروءة والشرف لما فيهم من الخلاعة والإِقبال على السُكر والميسر والنساء ونحو ذلك‏.‏ وحسبك ما هو معلوم من قضية خلع حُجر الكِندي ابنه امرأ القيس وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏والشعراء يتبعهم الغاوون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 224‏]‏ الآية‏.‏ فلو جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالشعر أو قاله لرمقه الناس بالعين التي لا يرمق بها قدره الجليل وشرفه النبيل، والمنظور إليه في هذا الشأن هو الغالب الشائع وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن من الشعر لحكمة» وقال‏:‏ «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد»‏:‏

ألا كل شيء ما خلا الله باطل ***

فتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الشعر من قبيل حياطة معجزة القرآن وحياطة مقام الرسالة مثل تنزيهه عن معرفة الكتابة‏.‏

قال أبو بكر بن العربي‏:‏ هذه الآية ليست من عيب الشعر كما لم يكن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كنت تتْلُو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 48‏]‏ من عيب الخط‏.‏ فلما لم تكن الأمية من عيب الخط كذلك لا يكون نفي النظم عن النبي صلى الله عليه وسلم من عيب الشعر‏.‏

ومن أجل ما للشعر من الفائدة والتأثير في شيوع دعوة الإِسلام أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حساناً وعبد الله بن رواحة بقوله، وأظهر استحسانه لكعب بن زهير حين أنشده القصيدة المشهورة‏:‏ بانت سعادُ‏.‏

والقول في ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من كلام موزون مثل قوله يوم أحد‏:‏

أنا النبيُ لا كَذِبْ *** أنا ابنُ عبد المطلبْ

كالقول فيما وقع في القرآن من شبيه ذلك مما بيناه آنفاً‏.‏

وجملة ‏{‏إن هو إلا ذِكرٌ وقُرءَانٌ مُبينٌ‏}‏ استئناف بياني لأن نفي الشعر عن القرآن يثير سؤال متطلب يقول‏:‏ فما هو هذا الذي أوحي به إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكان قوله‏:‏ ‏{‏إن هو إلا ذكر‏}‏ جواباً لطلبته‏.‏

وضمير ‏{‏هُوَ‏}‏ للقرآن المفهوم من ‏{‏عَلَّمْناهُ‏}‏، أي ليس الذي عُلِّمه الرسول إلا ذكراً وقرآناً أو للشيء الذي علمناه، أي للشيء المعلّم الذي تضمنه ‏{‏علمناهُ‏}‏، أو عائد إلى ‏{‏ذِكْرٌ‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏إلاَّ ذِكْرٌ‏}‏ الذي هو ‏{‏مُبِينٌ‏}‏‏.‏ وهذا من مواضع عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة لأن البيان كالبدل‏.‏ وتقدم نظيره في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن هي إلا حياتنا الدنيا‏}‏ في سورة ‏[‏المؤمنين‏:‏ 37‏]‏‏.‏

وجيء بصيغة القصر المفيدة قصر الوحي على الاتصاف بالكون ذكراً وقرآناً قصر قلب، أي ليس شعراً كما زعمتم‏.‏ فحصل بذلك استقصاء الرد عليهم وتأكيدُ قوله‏:‏ ‏{‏ومَا عَلَّمْناهُ الشِّعر‏}‏ من كون القرآن شعراً‏.‏

والذكر‏:‏ مصدر وصف به الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وصفاً للمبالغة، أي إن هو إلا مُذكّر للناس بما نسوه أو جهلوه‏.‏ وقد تقدم الكلام على الذكر عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا يأيها الذين نزل عليه الذكر إنك لمجنون‏}‏ في سورة ‏[‏الحجر‏:‏ 6‏]‏‏.‏

والقرآن‏:‏ مصدر قرأ، أطلق على اسم المفعول، أي الكلام المقروء، وتقدم بيانه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما تتلو منه من قرآن‏}‏ في سورة ‏[‏يونس 61‏]‏‏.‏

والمبين‏:‏ هو الذي أبان المراد بفصاحة وبلاغة‏.‏

ويتعلق قوله‏:‏ ‏{‏لِتْنذِرَ‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏عَلَّمْناهُ‏}‏ باعتبار ما اتصل به من نفي كونه شعراً ثم إثباتتِ كونه ذكراً وقرآناً، أي لأن جملة ‏{‏إن هو إلا ذكر‏}‏ بيان لما قبلها في قوة أن لو قيل‏:‏ وما علمناه إلا ذكراً وقرآناً مبيناً لينذر أو لتنذر‏.‏ وجعلهُ ابن عطية متعلقاً ب ‏{‏مُبِينٌ‏}‏‏.‏

وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب ‏{‏لَتُنذِرَ‏}‏ بتاء الخطاب على الالتفات من ضمير الغيبة في قوله‏:‏ ‏{‏عَلَّمْناهُ‏}‏ إلى ضمير الخطاب‏.‏ وقرأه الباقون بياء الغائب، أي لينذر النبي الذي علمناه‏.‏

والإِنذار‏:‏ الإِعلام بأمر يجب التوقي منه‏.‏

والحيّ‏:‏ مستعار لكامل العقل وصائب الإِدراك، وهذا تشبيه بليغ، أي مَن كان مثل الحي في الفهم‏.‏

والمقصود منه‏:‏ التعريض بالمُعرِضين عن دلائل القرآن بأنهم كالأموات لا انتفاع لهم بعقولهم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 80‏]‏‏.‏

وعطف ‏{‏ويَحِقَّ القولُ على الكافِرِينَ‏}‏ على ‏{‏لِتُنذِرَ‏}‏ عطفَ المجاز على الحقيقة لأن اللام النائب عنه واو العطف ليس لام تعليل ولكنه لام عاقبة كاللام في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 8‏]‏‏.‏ ففي الواو استعارة تبعية، وهذا قريب من استعمال المشترك في معنييه‏.‏ وفي هذه العاقبة احتباك إذ التقدير‏:‏ لتنذر من كان حيّاً فيزداد حياة بامتثال الذكر فيفوز ومن كان ميتاً فلا ينتفع بالإِنذار فيحق عليه القول، كما قال تعالى في أول السورة

‏{‏إنَّما تُنذِرُ مَن اتَّبَعَ الذِّكر وخَشِيَ الرحمن بالغيببِ فبشرْهُ بمغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 11‏]‏، فجمع له بين الإِنذار ابتداء والبشارة آخراً‏.‏

و ‏{‏القول‏}‏‏:‏ هو الكلام الذي جاء بوعيد من لم ينتفعوا بإنذار الرسول صلى الله عليه وسلم

والمراد بالكافرين‏:‏ المستمرون على كفرهم وإلا فإن الإِنذار ورد للناس أول ما ورد وكلهم من الكافرين‏.‏

وفي ذكر الإِنذار عوْد إلى ما ابتدئت به السورة من قوله‏:‏ ‏{‏لتنذر قوماً ما أُنذِرَ ءَاباؤُهم فهم غافِلُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 6‏]‏ فهو كرد العجز على الصدر، وبذلك تمّ مجال الاستدلال عليهم وإبطال شبههم وتخلص إلى الامتنان الآتي في قوله‏:‏ ‏{‏أوّلَمْ يَروا أنَّا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعَاماً‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 71‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أفلا يشكرون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 73‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏71- 73‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ‏(‏71‏)‏ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ‏(‏72‏)‏ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ‏(‏73‏)‏‏}‏

بعد أن انقضى إبطال معاقد شرك المشركين أخذ الكلام يتطرق غرضَ تذكيرهم بنعم الله تعالى عليهم وكيف قابلوها بكفران النعمة وأعرضوا عن شكر المنعم وعبادته واتخذوا لعبادتهم آلهة زعماً بأنها تنفعهم وتدفع عنهم وأدمج في ذلك التذكير بأن الأنعام مخلوقة بقدرة الله‏.‏ فالجملة معطوفة عطف الغرض على الغرض‏.‏

والاستفهام‏:‏ إنكار وتعجيب من عدم رؤيتهم شواهد النعمة، فإن كانت الرؤية قلبية كان الإِنكار جارياً على مقتضى الظاهر، وإن كانت الرؤية بصرية فالإِنكار على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل مشاهدتهم تلك المذكورات منزلةَ عدم الرؤية لعدم جريهم على مقتضى العلم بتلك المشاهدات الذي ينشأ عن رؤيتها ورؤية أحوالها، وعلى الاحتمالين فجملة الفعل المنسبك بالمصدر سادَّة مسدّ المفعولين للرؤية القلبية، أو المصدر المنسبك منها مفعول للرؤية البصرية‏.‏

وفي خلال هذا الامتنان إدماج شيء من دلائل الانفراد بالتصرف في الخلق المبطلة لإِشراكهم إياه غيره في العبادة وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏أنَّا خلقنا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏مما عملت أيدينا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وذَلَّلْناهَا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولهم فيها منافِعُ ومشَارِبُ‏}‏، لأن معناه‏:‏ أودعنا لهم في أضراعها ألباناً يشربونها وفي أبدانها أوباراً وأشعاراً ينتفعون بها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لهم‏}‏ هو محل الامتنان، أي لأجلهم، فإن جميع المنافع التي على الأرض خلقها الله لأجل انتفاع الإِنسان بها تكرمة له، كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً‏}‏ في سورة البقرة‏}‏ ‏(‏29‏)‏‏.‏

واستعير عمل الأيدي الذي هو المتعارف في الصنع إلى إيجاد أصول الأجناس بدون سابق منشأ من توالد أو نحوه فأسند ذلك إلى أيدي الله تعالى لظهور أن تلك الأصول لم تتولد عن سبب كقوله‏:‏ ‏{‏والسماء بنيناها بأيد‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 47‏]‏، ف ‏(‏من‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏مما عَمِلتْ‏}‏ ابتدائية لأن الأنعام التي لهم متولدة من أصول حتى تنتهي إلى أصولها الأصلية التي خلقها الله كما خلق آدم، فعبر عن ذلك الخلق بأنه بيد الله استعارة تمثيلية لتقريب شأن الخلق الخفيّ البديع مثل قوله‏:‏ ‏{‏لما خلقت بيدي‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 75‏]‏‏.‏ وقرينة هذه الاستعارة ما تقرّر من أن ليس كمثله شيء وأنه لا يشبه المخلوقات، فذلك من العقائد القطعية في الإسلام‏.‏ فأما الذين رأوا الإِمساك عن تأويل أمثال هذه الاستعارات فسمّوها المتشابه وإنما أرادوا أننا لم نصل إلى حقيقة ما نعبر عنه بالكنه، وأما الذين تأوّلوها بطريقة المجاز فهم معترفون بأن تأويلها تقريب وإساغة لغصص العبارة‏.‏ فأما الذين أثبتوا وصف الله تعالى بظواهرها فباعثهم فرط الخشية، وكان للسلف في ذلك عذر لا يسع أهل العصُور التي فشَا فيها الإِلحاد والكفر فهم عن إقناع السائلين بمعزل، وقلم التطويل في ذلك مَغْزِل‏.‏

والأنعام‏:‏ الإِبل والبقر والغنم والمعز‏.‏ وفرع على خلقها للناس أنهم لها مالكون قادرون على استعمالها فيما يشاءُون لأن الملك هو أنواع التصرف‏.‏

قال الربيع بن ضَبُع الفزاري من شعراء الجاهلية المعمَّرين‏:‏

أصبحت لا أحمل السلاح ولا *** أملِك رأسَ البعير إن نفرا

وهذا إدماج للامتنان في أثناء التذكير‏.‏

وتقديم ‏{‏لَهَا‏}‏ على ‏{‏مالكون‏}‏ الذي هو متعلَّقه لزيادة استحضار الأنعام عند السامعين قبل سماع متعلّقه ليقع كلاهما أمكن وَقع بالتقديم وبالتشويق، وقضى بذلك أيضاً رَعي الفاصلة‏.‏

وعدل عن أن يقال‏:‏ فهُم مالكوها، إلى ‏{‏فهم لها مالكون‏}‏ ليتأتّى التنكير فيفيدَ بتعظيم المالكين للأنعام الكنايةَ عن تعظيم الملك، أي بكثرة الانتفاع وهو ما أشار إليه تفصيلاً وإجمالاً قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذللناها لهم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ولهم فيها منافِعُ ومشارِبُ‏}‏‏.‏ وأن إضافة الوصف المُشبه الفعل وإن كانت لا تكسَب المضاف تعريفاً لكنها لا تنسلخ منها خصائص التنكير مثل التنوين‏.‏ وجيء بالجملة الاسمية لإِفادة ثبات هذا الملك ودوامه‏.‏

والتذليل‏:‏ جعل الشيء ذليلاً، والذليل ضد العزيز وهو الذي لا يدفع عن نفسه ما يكرهه‏.‏ ومعنى تذليل الأنعام خلق مهانتها للإِنسان في جبلتها بحيث لا تُقدم على مدافعة ما يريد منها فإنها ذات قُوات يدفع بعضها بعضاً عن نفسه بها فإذا زجرها الإِنسان أو أمرها ذلّت له وطاعت مع كراهيتها ما يريده منها، من سير أو حمل أو حلب أو أخذ نسل أو ذبح‏.‏ وقد أشار إلى ذلك قوله‏:‏ ‏{‏فمنها ركوبهم ومنها يأكلون‏}‏‏.‏

والرَّكوب بفتح الراء‏:‏ المركوب مثل الحلوب وهو فعول بمعنى مفعول، فلذلك يطابق موصوفه يقال‏:‏ بعير رَكوب وناقةٌ حَلوبة‏.‏

و ‏{‏مِن‏}‏ تبعيضية، أي وبعضها غير ذلك مثل الحرث والقتال كما قال‏:‏ ‏{‏ولهم فيها منافِعُ ومشَارِبُ‏}‏ والمشارب‏:‏ جمع مشرب، وهو مصدر ميمي بمعنى‏:‏ الشرب، أريد به المفعول، أي مشروبات‏.‏

وتقديم المجروريْن ب ‏(‏مِن‏)‏ على ما حقهما أن يتأخرا عنهما للوجه الذي ذكر في قوله‏:‏ ‏{‏فهم لها مالِكُون‏}‏‏.‏

وفرع على هذا التذكير والامتنان قوله‏:‏ ‏{‏أفلا يَشْكُرونَ‏}‏ استفهاماً تعجيبياً لتركهم تكرير الشكر على هذه النعم العِدّة فلذلك جيء بالمضارع المفيد للتجديد والاستمرار لأن تلك النعم متتالية متعاقبة في كل حين، وإذ قد عُجِب من عدم تكريرهم الشكر كانت إفادة التعجيب من عدم الشكر من أصله بالفحوى ولذلك أعقبه بقوله‏:‏ ‏{‏واتخذوا من دُوننِ الله ءَالِهَةً‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 74‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏74- 75‏]‏

‏{‏وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏74‏)‏ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ‏(‏75‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏أو لم يروا أنَّا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 71‏]‏، أي ألم يروا دلائل الوحدانية ولم يتأملوا جلائل النعمة، واتخذوا آلهة من دون الله المنعِم والمنفرد بالخلق‏.‏ ولك أن تجعله عطفاً على الجملتين المفرعتين، والمقصود من الإِخبار باتخاذهم آلهة من دون الله التعجيب من جريانهم على خلاف حقّ النعمة ثم مخالفةِ مقتضى دليل الوحدانية المدمَج في ذكر النعم‏.‏

والإِتيان باسم الجلالة العَلَم دون ضميرٍ إظهارٌ في مقام الإِضمار لما يشعر به اسمه العلم من عظمة الإِلهية إيماء إلى أن اتخاذهم آلهة من دونه جراءة عظيمة ليكون ذلك توطئة لقوله بعده ‏{‏فلا يحزنك قولهم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 76‏]‏ أي فإنهم قالوا ما هو أشد نكراً‏.‏

وأما الإِضمار في قوله في سورة الفرقان ‏(‏3‏)‏‏:‏ ‏{‏واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون‏}‏ فلأنه تقدم ذكر انفراده بالإِلهية صريحاً من قوله‏:‏ ‏{‏الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 2‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لعلَّهم يُنصرون‏}‏ وقعت ‏(‏لعلّ‏)‏ فيه موقعاً غير مألوف لأن شأن ‏(‏لعلّ‏)‏ أن تفيد إنشاء رجاء المتكلم بها وذلك غير مستقيم هنا‏.‏ وقد أغفل المفسرون التعرض لتفسيره، وأهمله علماء النحو واللغةِ من استعمال ‏(‏لعلّ‏)‏، فيتعين‏:‏ إما أن تكون ‏(‏لعلّ‏)‏ تمثيلية مكنية بأن شبه شأن الله فيما أخبر عنهم بحال من يرجو من المخبرَ عنهم أن يحصُل لهم خبرُ ‏(‏لعلّ‏)‏، وذكر حرف ‏(‏لعلّ‏)‏ رمز لرديف المشبه به فتكون جملة ‏{‏لعلهم ينصرون‏}‏ معترضة بين ‏{‏ءَالِهَةً‏}‏ وبين صفته وهي جملة ‏{‏لا يستطيعون نصرهم‏}‏، وإما أن يكون الكلام جرى على معنى الاستفهام وهو استفهام إنكاري أو تهكمي والجملة معترضة أيضاً، وإما أن يجعل الرجاء منصرفاً إلى رجاء المخبر عنهم، أي راجين أن تنصرهم تلك الآلهة وعلى تقدير قول محذوف، أي قائلين‏:‏ لعلنا نُنصر، وحكي ‏{‏يُنصَرون‏}‏ بالمعنى على أحد وجهين في حكاية الأقوال تقول‏:‏ قال أفعَلُ كذا، وقال يَفعلُ كذا، وتكون جملة ‏{‏لا يستطيعون نصرهم‏}‏ استئنافاً للرد عليهم‏.‏ وإما أن تجعل ‏(‏لعلّ‏)‏ للتعليل على مذهب الكسائي فتكون جملة ‏{‏لا يستطيعون نصرهم‏}‏ استئنافاً‏.‏

والمقصود‏:‏ الإِشارة إلى أن الكفار يزعمون أن الأصنام تشفع لهم عند الله في أمور الدنيا ويقولون‏:‏ ‏{‏هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 18‏]‏ وهم سالكون في هذا الزعم مسلك ما يألفونه من الاعتزاز بالموالاة والحلف بين القبائل والانتماء إلى قادتهم، فبمقدار كثرة الموالي تكون عزّة القبيلة فقاسوا شؤونهم مع ربهم على شؤونهم الجارية بينهم وقياس أمور الإِلهية على أحوال البشر من أعمق مهاوي الضلالة‏.‏

وأجري على الأصنام ضمير جمع العقلاء في قوله‏:‏ ‏{‏لا يستطيعون‏}‏ لأنهم سموهم بأسماء العقلاء وزعموا لهم إدراكاً‏.‏

وضمير ‏{‏وهُمْ‏}‏ يجوز أن يعود إلى ‏{‏ءَالِهَة‏}‏ تبعاً لضمير ‏{‏لا يستطيعون‏}‏‏.‏

وضمير ‏{‏لَهُم‏}‏ للمشركين، أي والأصنام للمشركين جند محضَرون، والجند العدد الكثير‏.‏ والمحضر الذي جيء به ليحضر مشهداً‏.‏ والمعنى‏:‏ أنهم لا يستطيعون النصر مع حضورهم في موقف المشركين لمشاهدة تعذيبهم ومع كونهم عدداً كثيراً ولا يقدرون على نصر المتمسكين بهم، أي هم عاجزون عن ذلك، وهذا تأييس للمشركين من نفع أصنامهم‏.‏ ويجوز العكس، أي والمشركون جند لأصنامهم محضرون لخدمتها‏.‏ ويجوز أن يكون هذا إخباراً عن حالهم مع أصنامهم في الدنيا وفي الآخرة‏.‏

وينبغي أن تكون جملة ‏{‏وهم لهم جندٌ مُحضرونَ‏}‏ في موضع الحال، والواو واو الحال من ضمير ‏{‏يستطيعون‏}‏، أي ليس عدم استطاعتهم نصرهم لبعد مكانهم وتأخر الصريخ لهم ولكنهم لا يستطيعون وهم حاضرون لهم، واللام في ‏{‏لَهُم‏}‏ للأجَل، أي أن الله يحضر الأصنام حين حشر عبدتها إلى النار ليُري المشركين خطَل رأيهم وخيبة أملهم، فهذا وعيد بعذاب لا يجدون منه ملجأ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏76‏]‏

‏{‏فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ‏(‏76‏)‏‏}‏

‏{‏جُندٌ مٌّحْضَرُونَ * فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا‏}‏‏.‏

فرّع على قوله‏:‏ ‏{‏واتَّخذوا من دُوننِ الله ءَالِهَةً‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 74‏]‏ صرفُ أن تحزن أقوالهم النبي صلى الله عليه وسلم أي تحذيره من أن يحزِن لأقوالهم فيه فإنهم قالوا في شأن الله ما هو أفظع‏.‏

و ‏{‏قولهم‏}‏ من إضافة اسم الجنس فيعم، أي فلا تحزنك أقوالهم في الإِشراك وإنكار البعث والتكذيب والأذى للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ولذلك حذف المقول، أي لا يحزنك قولهم الذي من شأنه أن يحزنك‏.‏

والنهي عن الحزن نهي عن سببه وهو اشتغال بال الرسول بإعراضهم عن قبول الدين الحق، وهو يستلزم الأمر بالأسباب الصارفة للحزن عن نفسه من التسلّي بعناية الله تعالى وعقابه من ناووه وعادوه‏.‏

‏{‏يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ‏}‏‏.‏

تعليل للنهي عن الحزن لقولهم‏.‏

والخبر كناية عن مؤاخذتهم بما يقولون، أي إنا محصون عليهم أقوالهم وما تسرّه أنفسهم مما لا يجهرون به فنؤاخذهم بذلك كله بما يكافئه من عقابهم ونصرِك عليهم ونحو ذلك‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏ما يُسِرُّونَ وما يُعلنون‏}‏ تعميم لجعل التعليل تذييلاً أيضاً‏.‏

و«إنّ» مغنية عن فاء التسبب في مقام ورودها لمجرد الاهتمام بالتأكيد المخبر بالجملة ليست مستأنفة ولكنها مترتبة‏.‏

وقرأ نافع ‏{‏يُحزِنكَ‏}‏ بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه إذا أدخل عليه حزناً‏.‏ وقرأه الباقون بفتح الياء وضم الزاي من حَزَنه بفتح الزاي بمعنى أحزنه وهما بمعنى واحد‏.‏

وقدم الإِسرار للاهتمام به لأنه أشدّ دلالة على إحاطة علم الله بأحوالهم، وذكر بعده الإِعلان لأنه محل الخبر، وللدلالة على استيعاب علم الله تعالى بجزئيات الأمور وكلياتها‏.‏

والوقف عند قوله‏:‏ ‏{‏ولا يحزنك قولهم‏}‏ مع الابتداء بقوله‏:‏ ‏{‏إنَّا نعلم‏}‏ أَحسنُ من الوصل لأنه أوضح للمعنى، وليس بمتعيّن إذ لا يخطر ببال سامع أنهم يقولون‏:‏ إن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، ولو قالوه لما كان مما يحزن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف ينهى عن الحزن منه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 79‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ‏(‏77‏)‏ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ‏(‏78‏)‏ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ‏(‏79‏)‏‏}‏

لما أُبطلت شبه المشركين في إشراكهم بعبادة الله وإحالتهم قدرته على البعث وتكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم في إنبائه بذلك إبطالاً كليّاً، عطف الكلام إلى جانب تسفيه أقوال جزئية لزعماء المكذبين بالبعث توبيخاً لهم على وقاحتهم وكفرهم بنعمة ربهم وهم رجال من أهل مكة أحسب أنهم كانوا يموهون الدلائل ويزينون الجدال للناس ويأتون لهم بأقوال إقناعية جارية على وفق أفهام العامة، فقيل أريد ب ‏{‏الإِنسان‏}‏ أُبيّ بن خلف‏.‏ وقيل أريد به العاصي بنُ وائل، وقيل أبو جهل، وفي ذلك روايات بأسانيد، ولعل ذلك تكرر مرات تولى كلُّ واحد من هؤلاء بعضها‏.‏

قالوا في الروايات‏:‏ جاء أحد هؤلاء الثلاثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده عَظْم إنسان رميم ففتّه وذرَاه في الريح وقال‏:‏ يا محمد أتزعم أن الله يُحيي هذا بعد ما أَرَمَّ ‏(‏أي بَلِيَ‏)‏ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نعم يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك جهنم‏.‏

فالتعريف في ‏{‏الإنْسانُ‏}‏ تعريف العهد وهو الإِنسان المعيّن المعروف بهذه المقالة يومئذٍ‏.‏ وقد تقدم في سورة مريم ‏(‏66‏)‏ أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً‏}‏ نزل في أحدِ هؤلاء، وذُكر معهم الوليد بن المغيرة‏.‏ ونظير هذه الآية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه‏}‏ في سورة القيامة‏}‏ ‏(‏3‏)‏‏.‏

ووجه حمل التعريف هنا على التعريف العهدي أنه لا يستقيم حملها على غير ذلك لأن جعله للجنس يقتضي أن جنس الإِنسان ينكرون البعث، كيف وفيهم المؤمنون وأهلُ الملل، وحملها على الاستغراق أبعد إلا أن يراد الاستغراق العُرفي وليس مثل هذا المقام من مواقعه‏.‏ فأما قوله تعالى في سورة النحل ‏(‏4‏)‏ ‏{‏‏:‏ ‏{‏خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين‏}‏ فهو تعريف الاستغراق، أي خلق كلَّ إنسان لأن المقام مقام الاستغراق الحقيقي‏.‏

والمراد بخَصِيمٌ في تلك الآية‏:‏ أنه شديد الشكيمة بعد أن كان أصله نطفة، فالجملة معطوفة على جملة ‏{‏أو لم يروا أنَّا خلقنا لهم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 71‏]‏ الآية‏.‏ والاستفهام كالاستفهام في الجملة المعطوففِ عليها‏.‏ والرؤية هنا قلبية‏.‏ وجملة ‏{‏أَنَّا خَلَقْناهُ‏}‏ سادّة مسدّ المفعولين كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو لم يروا أنَّا خلقنا لهم مما عَمِلت أيدينا أنْعاماً‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 71‏]‏‏.‏

و«إذا» للمفاجأة‏.‏ ووجه المفاجأة أن ذلك الإِنسان خلق ليعبد الله ويعلم ما يليق به فإذا لم يجر على ذلك فكأنه فاجأ بما لم يكن مترقباً منه مع إفادة أن الخصومة في شؤون الإِلهية كانت بما بادرَ به حين عقَل‏.‏

والخصيم فعيل مبالغة في معنى مفاعل، أي مخاصم شديد الخصام‏.‏

والمبين‏:‏ من أبان بمعنى بان، أي ظاهر في ذلك‏.‏

وضرب المثل‏:‏ إيجاده، كما يقال‏:‏ ضَرب خيمة، وضَرب ديناراً، وتقدم بيانه عند قوله تعالى‏:‏

‏{‏إن اللَّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما‏}‏ في سورة البقرة‏}‏ ‏(‏26‏)‏‏.‏

والمَثل‏:‏ تمثيل الحالة، فالمعنى‏:‏ وأظهر للناس وأتى لهم بتشبيه حال قدرتنا بحال عجز الناس إذ أحال إحياءنا العظام بعد أن أرَمَّت فهو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تضربوا للَّه الأمثال‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 74‏]‏، أي لا تُشَبِّهوه بخلقه فتجعلوا له شركاء لوقوعه بعد ‏{‏ويعبدون من دون اللَّه ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئا‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 73‏]‏‏.‏

والاستفهام في قوله‏:‏ ‏{‏من يحي العظام‏}‏ إنكاري‏.‏ و‏{‏من‏}‏ عامة في كل من يسند إليه الخبر‏.‏ فالمعنى‏:‏ لا أحد يحيي العظام وهي رميم‏.‏ فشمل عمومه إنكارهم أن يكون الله تعالى محيياً للعظام وهي رميم، أي في حال كونها رميماً‏.‏

وجملة ‏{‏قال مَن يُحي العِظامَ‏}‏ بيان لجملة ‏{‏ضرب لنا مثلاً‏}‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 120‏]‏ الآية، فجملة ‏{‏قال يا آدم بيان لجملة وسوس‏.‏

والنسيان في قوله‏:‏ ونَسِيَ خلقه‏}‏ مستعار لانتفاء العلم من أصله، أي لعدم الاهتداء إلى كيفية الخلق الأول، أي نسي أننا خلقناه من نطفة، أي لم يهتد إلى أن ذلك أعجب من إعادة عظمه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لَبْس من خلق جديد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 15‏]‏‏.‏

وذكر النطفة هنا تمهيد للمفاجأة بكونه خصيماً مبيناً عقب خلقه، أي ذلك الهيِّنُ المنشأ قد أصبح خصيماً عنيداً، وليبني عليه قوله بعد‏:‏ ‏{‏ونَسِيَ خَلْقَهُ‏}‏ أي نسي خلقه الضعيف فتطاول وجاوز، ولأن خلقه من النطفة أعجب من إحيائه وهو عَظْم مجاراة لزعمه في مقدار الإِمكان، وإن كان الله يحيي ما هو أضعف من العظام فيحيي الإِنسان من رَماده، ومن ترابه، ومن عَجْب ذَنَبه، ومن لا شيء باقياً منه‏.‏

والرميم‏:‏ البالي، يقال‏:‏ رَمَّ العظمُ وأَرَمَّ، إذا بَلِي فهو فعيل بمعنى المصدر، يقال‏:‏ رمّ العظمُ رميماً، فهو خبر بالمصدر، ولذلك لم يطابق المخبر عنه في الجمعية وهي بِلىً‏.‏

وأُمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول له ‏{‏يحييها الذي أنشأها‏}‏ أمر بجواب على طريقة الأسلوب الحكيم بحمل استفهام القائل على خلاف مراده لأنه لما قال‏:‏ ‏{‏من يُحي العظامَ وهي رميمٌ‏}‏ لم يكن قاصداً تطلب تعيين المحيي وإنما أراد الاستحالة، فأجيب جواب مَن هو متطلبٌ علماً‏.‏ فقيل له‏:‏ ‏{‏يُحييهَا الذي أنشأها أوَّلَ مرةٍ‏}‏‏.‏ فلذلك بني الجواب على فعل الإِحياء مسنداً للمُحيي، على أن الجواب صالح لأن يكون إبطالاً للنفي المراد من الاستفهام الإِنكاري كأنه قيل‏:‏ بل يحييها الذي أنشأها أول مرة‏.‏ ولم يُبنَ الجواب على بيان إمكان الإِحياء وإنما جعل بيانُ الإِمكان في جعل المسند إليه موصولاً لتدل الصلة على الإِمكان فيحصل الغرضان، فالموصول هنا إيماء إلى وجه بناء الخبر وهو يحييها، أي يحييها لأنه أنشأها أول مرة فهو قادر على إنشائها ثاني مرة كما أنشأها أول مرة‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 62‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه‏}‏

‏[‏الروم‏:‏ 27‏]‏‏.‏

وذيل هذا الاستدلال بجملة ‏{‏وهو بكل خلققٍ علِيمٌ‏}‏ أي واسع العلم محيط بكل وسائل الخلق التي لا نعلمها‏:‏ كالخلق من نطفة، والخلق من ذرة، والخلق من أجزاء النبات المغلقة كسُوس الفول وسُوس الخشب، فتلك أعجب من تكوين الإِنسان من عظامه‏.‏

وفي تعليق الإِحياء بالعظام دلالة على أن عظام الحيّ تحلّها الحياة كلحمه ودمه، وليست بمنزلة القصب والخشب وهو قول مالك وأبي حنيفة ولذلك تنجس عظام الحيوان الذي مات دون ذكاة‏.‏ وعن الشافعي‏:‏ أنّ العظم لا تحله الحياة فلا ينجس بالموت‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وقد اضطرب أرباب المذاهب فيه‏.‏ والصحيح ما ذكرناه، يعني أن بعضهم نسب إلى الشافعي موافقة قول مالك وهو قول أحمد فيصير اتفاقاً وعلماء الطب يثبتون الحياة في العظام والإِحساسَ‏.‏ وقال ابن زُهر الحكيم الأندلسي في كتاب «التيسير»‏:‏ إن جالينوس اضطرب كلامه في العظام هل لها إحساساً والذي ظهر لي أن لها إحساساً بطيئاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏80‏]‏

‏{‏الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ‏(‏80‏)‏‏}‏

بدل من ‏{‏الذي أنشأها‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 79‏]‏ بدلاً مطابقاً، وإنما لم تعطف الصلة على الصلة فيكتفى بالعطف عن إعادة اسم الموصول لأن في إعادة الموصول تأكيداً للأول واهتماماً بالثاني حتى تستشرف نفس السامع لتلقّي ما يرِدُ بعده فيفطن بما في هذا الخلق من الغرابة إذ هو إيجاد الضد وهو نهاية الحرارة من ضده وهو الرطوبة‏.‏ وهذا هو وجه وصف الشجر بالأخضر إذ ليس المراد من الأخضر اللون وإنما المراد لازمه وهو الرطوبة لأن الشجر أخضر اللون ما دام حياً فإذا جفّ وزالت منه الحياة استحال لونه إلى الغُبرة فصارت الخضرة كناية عن رطوبة النبت وحياته‏.‏ قال ذو الرمة‏:‏

ولما تمنَّتْ تأكل الرِّمَّ لم تَدَعْ *** ذَوابل مما يجمعون ولا خضرا

ووصف الشجر وهو اسم جمع شجرة وهو مؤنث المعنى ب ‏{‏الأخْضَرِ‏}‏ بدون تأنيثثٍ مراعاة للفظ الموصوف بخلوّه عن علامة تأنيث وهذه لغة أهل نجد، وأما أهل الحجاز فيقولون‏:‏ شَجَر خضراء على اعتبار معنى الجمع، وقد جاء القرآن بهما في قوله‏:‏ ‏{‏لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 5254‏]‏‏.‏

والمراد بالشجر هنا‏:‏ شجر المَرْخ ‏(‏بفتح الميم وسكون الراء‏)‏ وشجر العَفَار ‏(‏بفتح العين المهملة وفتح الفاء‏)‏ فهما شجران يقتدح بأغصانهما يؤخذ غصن من هذا وغصن من الآخر بمقدار المِسواك وهما خضْرَاوَاننِ يقطر منهما الماء فيسحق المَرْخ على العَفار فتنقدح النار، قيل‏:‏ يجعل العَفار أعلى والمَرْخ أسفل، وقيل العكس لأن الجوهري وابن السيد في «المخصص» قالا‏:‏ العَفار هو الزّند وهو الذكَر والمَرْخ الأنثى وهو الزندة‏.‏ وقال الزمخشري في «الكشاف»‏:‏ المَرْخ الذكر والعَفَار الأنثى، والنار هي سِقط الزَّنْد، وهو ما يخرج عند الاقتداح مشتعلاً فيوضع تحته شيء قابل للالتهاب من تبن أو ثوب به زيت فتخطف فيه النار‏.‏

والمفاجأة المستفادة مِن ‏{‏فإذا أنتم منه تُوقِدُونَ‏}‏ دالة على عجيب إلهام الله البشر لاستعمال الاقتداح بالشجر الأخضر واهتدائهم إلى خاصيته‏.‏

والإيقاد‏:‏ إشعال النار يقال‏:‏ أَوقد، ويقال‏:‏ وَقَد بمعنى‏.‏

وجيء بالمسند فعلاً مضارعاً لإِفادة تكرر ذلك واستمراره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏81‏]‏

‏{‏أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ‏(‏81‏)‏‏}‏

عطف هذا التقرير على الاحتجاجات المتقدمة على الإِنسان المعني من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو لم ير الإنسانُ أنَّا خلقناهُ مِن نُطْفَةٍ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 77‏]‏، وذلك أنه لما تبيّن الاستدلال بخلق أشياء على إمكان خَلق أمثالها ارتُقِي في هذه الآية إلى الاستدلال بخلق مخلوقات عظيمة على إمكان خلق مَا دونها‏.‏

وجيء في هذا الدليل بطريقة التقرير الذي دل عليه الاستفهام التقريري لأن هذا الدليل لوضوحه لا يسع المُقِرّ إلا الإِقرار به فإن البديهة قاضية بأن مَن خلق السماوات والأرض هو على خلق نَاس بعد الموت أقدر‏.‏ وإنما وجه التقرير إلى نفي المقرَّر بثبوته توسعة على المقرَّر إن أراد إنكاراً مع تحقق أنه لا يسعه الإِنكار فيكون إقراره بعد توجيه التقرير إليه على نفي المقصود، شاهداً على أنه لا يستطيع إلا أن يقرّ، وأمثال هذا الاستفهام التقريري كثيرة‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏بقادر‏}‏ بالباء الموحدة وبألف بعد القاف وجرّ الاسم بالباء المزيدة في النفي لتأكيده‏.‏ وقرأه رويس عن يعقوب بتحتية بصيغة المضارع ‏{‏يَقدر‏}‏‏.‏ ولكون ذلك كذلك عقب التقرير بجواب عن المقرر بكلمة ‏{‏بلى‏}‏ التي هي لنقض النفي، أي بلى هو قادر على أن يخلق مثلهم‏.‏

وضمير ‏{‏مِثلَهُم‏}‏ عائد إلى ‏{‏الإنْسانُ‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏أو لم ير الإنسانُ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 77‏]‏ على تأويله بالناس سواء كان المراد بالإِنسان في قوله‏:‏ ‏{‏أو لم ير الإنسانُ أنَّا خلقناهُ من نُطْفة‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 77‏]‏ شخصاً معيّناً أم غير شخص، فالمقصود هو وأمثاله من المشايعين له على اعتقاده وهم المشركون بمكة، أي قادر على أن يخلق أمثالهم، أي أجساداً على صورهم وشَبههم لأن الأجسام المخلوقة للبعث هي أمثال الناس الذين كانوا في الدنيا مركبين من أجزائهم فإن إعادة الخلق لا يلزم أن تكون بجمع متفرق الأجسام بل يجوز كونها عن عدمها، ولعل ذلك كيفيات، فالأموات الباقية أجسادها تُبثّ فيها الحياة، والأموات الذين تفرقت أوصالهم وتفسخت يعاد تصويرها، والأجساد التي لم تبق منها باقية تعاد أجساد على صورها لتودع فيها أرواحهم، ألا ترى أن جسد الإِنسان يتغير على حالته عند الولادة ويكبر وتتغير ملامحه، ويجدّد كل يوم من الدم واللحم بقدر ما اضمحلّ وتبخّر ولا يعتبر ذلك التغير تبديلاً لذاته فهو يُحسّ بأنه هو هو والناس يميّزونه عن غيره بسبب عدم تغير الروح‏.‏ وفي آيات القرآن ما يدل على هذه الأحوال للمعاد، ولذلك اختلف علماء السنّة في أن البعث عن عدم أو عن تفريق كما أشار إليه سيف الدين الآمدي في «أبْكار الأفكار» ومودعة فيها أرواحهم التي كانت تدبر أجسامهم فإن الأرواح باقية بعد فناء الأجساد‏.‏

وجملة ‏{‏وهُوَ الخَلّاقُ العَلِيمُ‏}‏ مُعترضة في آخر الكلام، والواو اعتراضية، أي هو يخلق خلائق كثيرة وواسع العلم بأحوالها ودقائق ترتيبها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏82‏]‏

‏{‏إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏82‏)‏‏}‏

هذه فذلكة الاستدلال، وفصل المقال، فلذلك فصلت عما قبلها كما تفصل جملة النتيجة عن جملتي القياس، فقد نتج مما تقدم أنه تعالى إذا أراد شيئاً تعلّقت قدرتُه بإيجاده بالأمر التكويني المعبر عن تقريبه ب ‏{‏كُن‏}‏ وهو أخصر كلمة تعبر عن الأمر بالكون، أي الاتصاف بالوجود‏.‏

والأمر في قوله‏:‏ ‏{‏إنَّما أمرُهُ‏}‏ بمعنى الشأن لأنه المناسب لإِنكارهم قدرته على إحياء الرميم، أي لا شأن لله في وقت إرادته تكوين كائن إلا تقديره بأن يوجده، فعبر عن ذلك التقدير الذي ينطاع له المقدور بقول‏:‏ ‏{‏كُن‏}‏ ليعلم أن لا يباشر صنعه بيد ولا بآلة ولا بعَجن مادة مَا يخلق منه كما يفعل الصنّاع والمهندسون، لأن المشركين نشأ لهم توّهم استحالة المعاد من انعدام المواد فضلاً عن إعدادها وتصويرها، فالقصر إضافي لقلب اعتقادهم أنه يحتاج إلى جمْع مادة وتكييفها ومُضيّ مدة لإِتمامها‏.‏

و ‏{‏إذا‏}‏ ظرف زمان في موضع نصب على المفعول فيه، أي حين إرادته شيئاً‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏فَيَكُونُ‏}‏ مرفوعاً على تقدير‏:‏ أن يقولَ له كن فهو يكون‏.‏ وقرأه ابن عامر والكسائي بالنصب عطفاً على ‏{‏يَقُولَ‏}‏ المنصوب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏83‏]‏

‏{‏فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏83‏)‏‏}‏

الفاء فصيحة، أي إذا ظهر كل ما سمعتم من الدلائل على عظيم قدرة الله وتفرده بالإِلهية وأنه يعيدكم بعد الموت فينشأ تنزيهه عن أقوالهم في شأنه المفضية إلى نقص عظمته لأن بيده الملك الأتم لكل موجود‏.‏

والملكوت‏:‏ مبالغة في الملك ‏(‏بكسر الميم‏)‏ فإن مادة فعلوت وردت بقلة في اللغة العربية‏.‏ من ذلك قولهم‏:‏ رَهبوت ورحَموت، ومن أقوالهم الشبيهة بالأمثال «رَهبوت خير من رحموت» أي لأن يرهبَك الناسُ خير من أن يرحموك، أي لأن تكونَ عزيزاً يُخشى بأسك خير من أن تكون هيّناً يَرقّ لك الناس، وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض‏}‏ في سورة الأنعام‏}‏ ‏(‏75‏)‏‏.‏

وجملة ‏{‏وإليهِ تُرجعُونَ‏}‏ عطف على جملة التسبيح عطفَ الخبر على الإِنشاء فهو مما شملته الفصيحة‏.‏ والمعنى‏:‏ قد اتضح أنكم صائرون إليه غير خارجين من قبضة ملكه وذلك بإعادة خلقكم بعد الموت‏.‏

وتقديم ‏{‏إليه‏}‏ على ‏{‏تُرْجَعُونَ‏}‏ للاهتمام ورعاية الفاصلة لأنهم لم يكونوا يزعمون أن ثمة رجعة إلى غيره ولكنهم ينكرون المعاد من أصل‏.‏